كاتب ومقال

لم يعد الحب وحده كافيا

بقلم: د. محمود علام

في أروقة التوق والشغف، يُخيّل للإنسان أن الحبّ هو الإكسير السحريّ الذي يستطيع بمفرده صهر الجبال وتذليل المحال، غير أن الواقع، بحياده الصارم وقوانينه النفسية، يعود دائماً ليرسم الحد الفاصل بين “الأمنية” و”الحقيقة”؛ فالحب وحده —مهما بلغ من النقاء— لا يكفي بمفرده لإنشاء حكاية تعيش وتستمر. نحن لا نصادر على حلم حالم، ولا نزايد على أشواق متمنٍّ، فالحلم حق إنساني أصيل، لكن الأحلام إن لم تستند إلى دعائم صلبة ترتكز على أرض الواقع، تظل محبوسة في خانة الأوهام، وتتحول مع الوقت إلى مجرد قصص تُروى بعد منام طويل، لا نصل في نهايتها إلا إلى الخيبة.

وتكمن الفجوة النفسية العميقة في ذلك الخلط الحاد بين “الشعور بالحب” و”ممارسة الحب”؛ فالأول حالة انفعالية وجدانية قد تتولد في لحظة خاطفة دون جهد، بينما الثاني هو مسار طويل ممتد من القرارات الواعية اليومية التي تتطلب دعائم وثيقة كي تغدو حقيقة قابلة للبقاء. إن الاستسلام للفكرة التي تتوقع أن “الحب يتكفل بكل شيء” ليس سوى هروب نفسي من متطلبات النضج؛ فالحب مجرداً من الاحترام المتبادل ينحرف سريعاً إلى رغبة في التملك، وبلا تواصل فعال ينقلب إلى دوامة من سوء الفهم، وبلا قدرة على تحمل التبعات يصبح عبئاً ثقيلاً يرهق طرفيه حتى الاحتراق.

وحين يفتقر الحب إلى دعائمه، لا يتوقف الأمر عند حدود الفشل الإجرائي للرقة، بل يمتد ليحفر أثراً نفسياً غائراً في وجدان الرجل والمرأة على حد سواء.

👨‍🦱فبالنسبة للرجل، عندما يخلو الحب من التقدير والقبول والدعامة الحقيقية، يُصاب بـ تآكل مكتوم في تقديره لذاته؛ يشعر بوهن داخلي يستنزف رجولته ورغبته في السعي، إذ يُترجم غياب التقدير في عقله الباطن إلى فشل ذريع في حماية المساحة المشتركة، فينسحب نفسياً ويغلف روحه بجدار من الجمود والصمت الكثيف،تحوّلاً من كائن معطاء إلى آخر مدافع يحمي ما تبقى من كرامته ونشاطه الروحي.

👩🏻‍🦰أما بالنسبة للمرأة، فإن غياب الأمان والطمأنينة في حب يتكئ على الشعور وحده يولد لديها استنزافاً وعصبية دائمين في جهازها النفسي؛ تعيش في حالة طوارئ عاطفية لا تتوقف، حيث يتشكل داخلها خوف دائم من التخلي أو تغير المود، فيتحول شغفها الفطري إلى تدقيق وقلق يلتهمان رقتها، وتتحول لهفتها الأولى إلى ثقل نفسي يرهق قلبها ويجعلها تشعر بأنها تبذل وجدانها في أثير لا يعود منه أي أثر للسكينة.

وكي لا تعوق الحبَّ هذه المعوقاتُ ويغدو مستحيل الوجود، يلزمه جدار متين من المقومات النفسية؛ ينطلق من الأمان النفسي والقبول الذي يتيح لك أن تظهر ضعفك دون خوف، ويتكامل مع التوافق في حده الأدنى حول ركائز الحياة، والقدرة على إدارة النزاع دون هدم الجسور أو تجريح الكرامة.

إن الحب الحقيقي هو تلك المساحة الآمنة التي يلتقي فيها الأمان الذي يمنحه الرجل بالتقدير الذي تمنحه المرأة، فيكتمل البناء وتصمد العلاقة أمام تقلبات الحياة، وكما يعبر ألان دي بوتون عن هذه الحقيقة ببراعة..

“إن الحب ليس مجرد إحساس نقع فيه، بل هو مهارة يتوجب علينا تعلمها وممارستها؛ فالزواج والعلاقات لا تنجح بفضل جودة المشاعر الأولى، بل بفضل قدرتنا على إدارة اللحظات التي تغيب فيها تلك المشاعر.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى