كاتب ومقال

الكمان..

بقلم: رباب الخشن

كموسيقى آلة كمان يعزفها….كان صوتها..

مستندًة هي على كتفه…ساندًا رأسه عليها

ممسكاً بالقوس..مغمض العينين…

يعزف في اندماج واضح..

وكنت لا أصدقه…أو لا أريد ذلك،

أشاهدهما من بعيد…باستسلام تام….

ورفض خفي..

لم أكن كبقية الجمهور …ولن أكون أبدا..

ولا أدرى من أين جاءتني فكرة أنني استحققتها أكثر منه…

وأنني أجيد العزف على أوتارها أفضل منه..

وأن ذلك الكمان.. لو كان معي الآن…

مستندًا على كتفي أنا….

ممسكًا أنا بقوسه..

لكنت قدمت لحنًا لم يسمعه أحدٌ من قبل..

لكنت خلقت موسيقى خالدة…

يتغنى بها العالم بأسره.

لكان العالم كله

…يردد معزوفتي الجميلة الباقية

ورغم ذلك..

لم أهتم أبدًا بالعالم…

ما كان يهمني حقا… أن يصل لحني إليها…

هي وحدها فقط

وكفي..

منفصلًا كنت عن بقية الجمهور…شعور ضبابي يمتلكني..

تعتريني حالة حب ممزوجة بالحنق.. لم تصل بعد إلى حد الغضب..

لا أحد غيري في القاعة…

كنت وحدي..ولا أرى غيرهما على خشبة المسرح ..

هكذا أتخيل …

قبل أن أفيق على تصفيق الجماهير المتحمسة…

أسمع همهمات …تخترق أذني..

(يالروعتهما) !

(كم أنهما مناسبان لبعضهما البعض….متشابهان)

(إنهما يشكلان ثنائيًا رائعا )

يعطى عقلي أوامر فورية لأذني بالتوقف عن العمل… ألغي وظيفتهما تماما .. وأغمض عيني متجنبا النظر إلى المسرح..

أفتحهما مرة أخرة…لأرى الكمان وحده في زاوية المكان…

اختفى العازف أخيرًا…

إنها فرصتي.

سأقترب…

اختفت الجماهير أيضًا..لحسن الحظ..

وبقيت أنا فقط ….والكمان،

أصعد إلى خشبة المسرح منتشيًا …أشعر بشعور رائع..أقترب منه بابتسامة واسعة…

فيبتسم لي خجلًا…

لم أكن لألمسه إن لم ألمح في عينيه تلك الإبتسامة الودودة…

لم أكن لأفرض موسيقاي ونغماتي عليه ..

لن اجلس…سأحتضنه واقفًا … فالكرسي الوحيد يحمل أثر عازفه القديم

سأكتفي بحمله وإسناده على كتفي…سأضمه لصدري…

وأقربه من القلب….

لن أجلس…ولا تهمني الراحة أبدًا…..

فوجوده بين يدي..منتهى الراحة …

ولن أغمض عيني أيضًا…

لن أفوت فرصة النظر إليه..إنها لحظتي…

لن أضيع ثانيًة واحدًة لا أراه فيها ..سأظل أعزف..حتى يمل الوقت مني !!

يا إلهى.. أتكون هكذا موسيقى الجنة !!!!

أفيق على صوت تصفيق الجماهير مرة أخرى..بحماس أكبر من المرات السابقة…

أتوسل إليهم في عقلي أن يتوقفوا…

أتمنى ألا تضاء الأنوار أبدا…يساعدني الظلام على إخفاء البشر من حولي …

وإخفاء العازف…

تمنيت لو اختفي حقًا …

أحاول إخماد نزعة شر تنبش صدري ..

أصحح أمنيتي…

أتمنى أن يختفي فقط من المشهد…لا من الحياة…

أكررها…

وكأنني أوقظ ضميري …وأذكره بمبادئنا سويًا…

أكررها حتى يسود الظلام مرة أخرى…ويسود السكون..

ثم فجأة…يتوقف كل شئ

يغلف الصمت المكان.. لا همسات،

لا تصفيق…ولا حتى موسيقى الكمان…

أفتح عيني ..لأرى شخصًا بقربي يحاول إيقاظي..

ألتفت..فلا أرى غيره واقفًا بجوار مقعدي..

.مرتديًا قميصًا لبنيا..وسروالًا كحلي…

القاعة خاوية هذة المرة حقًا….أنا ورجل الأمن فقط!!

أسأله كم من وقت مر ؟

ليخبرني أنه أكتشفني نائمًا بعد خلو القاعة…

ولم يكن قد مر وقتًا طويلا..

أتلفت حولي…

أين الكمان…؟؟؟ أين ذهب به العازف…؟؟؟

صرخت في وجه الرجل..مسسكًا بتلابيب قميصه..

فنظر لي بإندهاش وشفقة… كمن رأى مجنونًا فقد عقله..

أخبرني أن الجميع قد رحلوا…

وان العرض انتهى…

حقًا…لم يخطئ الرجل،

فقد كنت أوشكت على فقدان العقل بعد أن فقدت القلب بالفعل…

فقلبي…كان قد رحل معهم …

ارتعبت من الفكرة…

سيجده حتما العازف عندما يفتح حافظة الكمان…

سيجد قلبي مختبئا في إحدى الزوايا يرتجف..

يساعدني الرجل على النهوض… أنتبه مرة أخرى..

وأعتذر له..

أخرج وحيدًا من القاعة…..

أقف عند البهو الكبير أتفحص لوحة الإعلانات ..

لعلي أجد عرضًا قريبا …

أعود لبيتي ..

فهنا فقط نكون وحدنا.. أحمل الكمان بحب شديد ..فيقترب..

يستند على كتفي في شوق وإحتياج للأمان…وأميل عليه أستند عليه بخدي.. أغمره بحناني..

هنا فقط الوقت ملكنا…لا ينفذ..

هنا فقط ..أعزف ما أشاء من ألحان..في غرفتي….على سريري..

..وفي نومي… أمتلك كل أحلامي..

أبتسم ..و أغمض عيني..وأستسلم

فيغمرني شعور مريح أنني

لازلت أمتلك ..أحلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى