قانون العمل الجديد وضوابط عمل الأطفال في مصر.. حماية الطفولة بين التشريع والتنفيذ

وسط تحديات تنموية واقتصادية متشابكة، لا تزال قضية عمل الأطفال واحدة من أبرز المعضلات الأخلاقية والاجتماعية التي تواجه الدول النامية، وعلى رأسها مصر، فبين الفقر، وتسرب التعليم، والحاجة الملحة للدخل، يجد آلاف الأطفال أنفسهم داخل سوق العمل، محرومين من أبسط حقوقهم في طفولة آمنة وتعليم جيد، وإدراكًا لخطورة هذا الواقع، جاءت التحركات التشريعية الأخيرة في مصر لتشكل نقطة تحول مهمة في تنظيم عمل الأطفال، وتحقيق المواءمة بين مقتضيات الواقع الاجتماعي والالتزامات الدولية.
أقر قانون العمل المصري الجديد، الصادر في نسخته المعدّلة مؤخرًا، مجموعة من الضوابط القانونية الحاسمة التي تهدف إلى تنظيم عمل الأطفال والحد من استغلالهم، واضعًا بذلك إطارًا قانونيًا يُلزم أصحاب الأعمال باحترام معايير التشغيل الآمن للأطفال، وقد نص القانون على حظر تشغيل من هم دون سن الخامسة عشرة، مع السماح ببرامج التدريب المهني بدءًا من سن الرابعة عشرة، بشرط أن تتم تحت إشراف ورقابة الجهات المختصة.
كما ألزمت النصوص الجديدة أصحاب الأعمال بعدم تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة أو التي تتعارض مع نموهم الجسدي أو النفسي، وحظرت تشغيلهم ليلًا، وحددت الحد الأقصى لساعات العمل اليومية بـ 6 ساعات يتخللها ساعة راحة على الأقل، ولضمان الشفافية تم فرض إنشاء سجل خاص لكل طفل عامل، يتضمن بياناته وظروف عمله، مما يتيح للجهات الرقابية متابعة الوضع بشكل منهجي ودوري.
لم تكن التعديلات القانونية معزولة عن الواقع، بل جاءت جزءًا من مسار تنفيذي أشمل تتبناه الدولة المصرية منذ سنوات لمكافحة عمالة الأطفال، فقد أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال من عام 2018 إلى عام 2025، جاء ذلك بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، والتي تستهدف تقليص نسب عمل الأطفال بشكل تدريجي وصولًا إلى القضاء الكامل عليها بحلول عام 2025.
وتنفيذاً لهذه الاستراتيجية، عززت وزارة التضامن الاجتماعي من نطاق برنامج تكافل وكرامة الذي وصل إلى أكثر من 4.3 مليون أسرة، ما ساهم بشكل مباشر في تقليل اعتماد الأسر على دخل الأطفال، كما وسّعت وزارة التعليم من مظلة التعليم المجتمعي، خاصة في المناطق النائية، واستحدثت مدارس صغيرة غير تقليدية تستقطب الأطفال المتسربين من التعليم.
وفي السياق ذاته، كثفت وزارة القوى العاملة من حملات التفتيش المفاجئة على أماكن العمل، وأسفرت بعض الحملات في سنة 2023 عن ضبط أكثر من 1,200 حالة عمل أطفال مخالفة، تم التعامل معها قانونيًا، مع إحالة عدد من أصحاب الأعمال إلى النيابة.
رغم هذا التقدم التشريعي والمؤسسي، لا تزال عمالة الأطفال قائمة في بعض الشرائح المجتمعية، مدفوعة بجملة من العوامل المعقدة، فالفقر يظل العامل الرئيسي، حيث تلجأ بعض الأسر إلى الدفع بأبنائها للعمل كمصدر دخل إضافي، كما يلعب التسرب من التعليم، خاصة في المناطق الريفية، دورًا كبيرًا في توسيع الفجوة، نتيجة لبعد المدارس أو ضعف البنية التحتية التعليمية، وتزيد من تعقيد المشهد الثقافة الاجتماعية السائدة في بعض البيئات، والتي ترى في العمل المبكر تدريبًا على المسؤولية، متجاهلة الأضرار الصحية والنفسية طويلة الأمد.
وأفضل مثال على ذلك، حادث المنوفية الأليم الذي وقع يوم 27 يونيو 2025، وكيف تسبّب اصطدام شاحنة بحافلة صغيرة تقل 18 فتاة لا تتجاوز أعمارهن 14 إلى 23 عامًا، يعملن باليومية في مزارع العنب، وراح ضحيتهن هؤلاء الفتيات، في غياب رقابة فعالة على ظروف العمل والنقل غير الآمن للأطفال والمراهقين.
ويسلط هذا الحادث الضوء على الثغرات التي لا يمكن سدها بالتشريعات وحدها، مثل ضعف الرقابة على التعاقدات غير الرسمية التي يلجأ إليها المقاولون لتوظيف قاصرٍات ضمن عمال يوميين، وغياب وسائل النقل الآمن للأطفال في طريقهم لعملهم، رغم النص القانوني الصارم على حظر تشغيل من هم دون 15 عامًا وتقييد ساعات عملهم، ومنعهم من العمل ليلاً، وضرورة ضبط سجل عمل الأطفال وربطه بمراقبة فعالة لنقلهم وسلامتهم المادية والنفسية أثناء تنقلاتهم.
ولمعالجة الظاهرة بشكل شامل ومستدام، لا بد من تعزيز التكامل بين السياسات الاجتماعية والتعليمية والتشريعية، وتتمثل أبرز التوصيات العملية في توسيع برامج الدعم المشروط بالتعليم، وربطها بانتظام الأطفال في المدارس، مع فرض رقابة حقيقية على التنفيذ، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة ترصد أوضاع الأطفال العاملين وتربط بين الجهات المعنية.
وأيضاً زيادة الحوافز لأصحاب العمل الملتزمين بتشغيل الشباب ضمن أعمار قانونية، ودمج الأطفال المعرضين للخطر في برامج التدريب المهني الآمن، وتغليظ العقوبات ضد المخالفين الذين يصرون على استغلال الأطفال في أنشطة غير قانونية.
مع إطلاق حملات إعلامية ودينية مؤثرة لتغيير الثقافة المجتمعية تجاه التعليم والعمل المبكر، وتوسيع المدارس المجتمعية والفنية لتكون بديلًا واقعيًا للأطفال المعرضين للتسرب، وتحقيق الربط بين التعليم وسوق العمل المستقبلي.




