
تراكم عمل ثلاث أسابيع بسبب عطل في الكهرباء بالبناية بأكملها مما جعل الشركة توقف العمل حتى انتهاء التصليح، العودة للعمل إلزامية بدون أجازات أو إعتذارات، في العادة ينتهي العمل في الرابعة عصرًا ولكن بسبب ما حدث أصر صاحب الشركة أن يمتد العمل حتى السابعة مساءًا كل يوم حتى ينتهي الموظفون من إتمام العمل المتأخر المتراكم،
عفت الموظف الأقدم في قسم العلاقات العامة، يعمل بجدية واضحة وخلف المكتب المقابل جلس عمر متأففًا من زحام الملفات وتفنيد البرقيات وجبينه متعرق، ليس من حرارة الجو ولكن من فقدانه لشغف العمل وشعوره بأن الأيام تنفرط بتتابع أمام بصره دون أن يجد مَخرج له من عباءة الوظيفة بروتينها ورتابتها وجمودها الدائم رغم كثرة الصراخ والصياح وتجدد الملفات كأنها لم تسمع يومًا عن تنظيم الأسرة وتحديد النسل،
مقر الشركة بوسط البلد في أحد الشوارع المعروفة بتلك البنايات القديمة ذات التصميمات المعمارية الناطقة بالجمال والآصالة، أمسك بعلبة سجائره ووجدها قد فرغت دون أن يشعر، زفر بتحدي وبذل مجهود مضني وهو يرسم فوق ملامحه إبتسامة زائفة وطلب من رئيسه المباشر الأستاذ عفت الإذن بالنزول للشارع لبضع دقائق لشراء عشرين سيجارة جديدة يشاركوه قراءة البرقيات وكتابة عبارات تقليدية سمجة يرد بها على عملائهم المكررون،
الكشك القريب مغلق ووجب عليه الذهاب لآخر بعيد بجوار سينما ديانا، اشتعل صدره بالغضب من حاجته للمشي طوعًا تحت لهيب شمس الظهيرة حتى أنه لم يجد حرج في إيقاف شخص لا يعرفه وبيده سيجارة وطلب منه سيجارة بعبارة قصيرة كانت كافية لأن يهتف الشخص الغريب بحماس،
– تأمر يا باشا
جدعنة لا يعرفها سوى المدخنين، أشعل سيجارة الغريب وتحرك بخطوات سريعة ووجب عليه تخطي العشرات من الباعة المفترشين الأرض ببضاعتهم القديمة وأنتيكاتهم وهو يُحدث نفسه بسخرية، ما شدة بؤس هؤلاء المفتنون بشراء أشياء قديمة كانت يومًا ما ملكًا لآخرون لا يعرفوهم، أين المتعة في إمتلاك هاتف قديم عتيق أسود اللون بقرص أو ساعة حائط توقفت عن العمل منذ سنوات، ما جدوى إقتناء لوحة علق التراب بإطارها وأصابت التجاعيد جلدها شديد القِدم، كاسيت موديل الثمانينيات وراديو موديل السبعينيات وشرائط كاسيت رحل مطربيها وأصاب مستمعيها الشيخوخة،
الجو شديد الحرارة والرطوبة خانقة والزحام غير مفهوم وأغلب السائرون يتحركون برؤوس مشغولة بالفحص والتدقيق وكأنهم يسيرون في زمن غير الزمن، إصطدمت به سيدة بأعين مُعلقة بزاوية جانبية لا علاقة لها بخط سيرها،
انتبهت لما فعلت وشرعت في تقديم الإعتذار قبل أن تصمت بدهشة عقبتها صدمة من هذا النوع الذي يعقد اللسان ويحول كل متحرك لساكن في لمح البصر، حدقت في عيناه وحدق في وجهها قبل أن ينطق بتلعثم وأحرف متباعدة،
– هند!.. ازيك
تنهدت وهمت بالهتاف بإسمه غير مصدقة لصدفة لقاءهم، لكنها بدت كمن تذكر شئ ما جعل ملامحها تتحول لشرود ثم لشجن ثم لإبتسامة باهتة وكم من ثم تحملها الملامح ولا ينطقها اللسان،
إختفى صوت الصخب من حولهم وأصاب أذنيه طنين كأنه يسير وحيدًا في صحراء وحيدًا منفردًا وشعر بما جاش بصدرها وحاول الهروب من نظرتها الحادة بضعف يعرفه جيدًا، بالنظر لما تحمله بيدها، برواز قديم وعتيق لبورترية به صورة مرسومة لفتاة بملامح مشوشة تجلس محنية الظهر تستند بذقنها فوق قبضتها وعلى وجهها ملامح حزن بالغة الوضوح،
– لسه بتحبي اللوحات؟
– دي مش لوحة.. ده بورتريه هاند ميد
– طول عمرك بتحبي الصور
لوت فمها بحزن وحسرة وهى تتجاهل النظر له ونظرت للبورترية وبدت كأنها تحدث الفتاة شديدة الحزن،
– الصور بتعيش أكتر من أصحابها
حاول الهروب من قصدها بالدعابة وهو يتصنع المرح وعدم الفهم،
– دي قديمة اوي وتلاقي اللي رسمها مات وشبع موت
ضمت البرواز بقوة ونظرت له بتحدي وشفقة،
– ناس كتير بتموت يا عمر لكن اللي عملوه ما بيموتش
إبتلع ريقه بصعوبة وهو يشعر بحاجة مُلحة لسيجارة ورأى الكشك خلفهم مباشرة،
– أنا هاشتري سجاير.. ما تيجي نشرب حاجة سقعة سوا
شردت بصمت وتجمدت نظرتها له بثبات أصابه بشعور عارم بالدوار قاومه كمن يقاوم الغرق وهرول بشكل مسرحي دون إنتظار لموافقتها نحو الكشك وعاد بعد دقيقة يحمل عبوتين من المياة الغازية وسيجارة مشتعلة يُمسكها بشفتيه،
– أنتي جاية هنا مخصوص ولا كنتي في مشوار؟
– لا جاية مخصوص
– ياه كل المشوار ده علشان تشتري البرواز القديم ده؟!
إبتسمت بنصف فمها وفتحت حقيبتها وأخرجت منها ميدالية فضية صغيرة يعرفها جيدًا وفور رؤيتها فتح فمه بدهشة رغمًا عنه لدرجة أسقطت السيجارة من فمه دون أن يدرك وسارع بأيدي مرتعشة في وضع آخرى جديدة مكانها بين شفتيه وهى ترى إرتباكه وتتسع إبتسامتها الساخرة البائسة وتستطرد،
– قفل الميدالية باظ وعرفت إن أحسن حد بيصلحهم موجود هنا
– طب كويس.. المهم إنها إتصلحت
– القفل إتصلح.. القفل بس يا عمر
أصل في حاجات لازم نطمن ونتأكد إنها
مقفولة
شعر بحاجته لقول شئ يحفظ ماء وجهه ويُخرجه من شعوره بالخجل والإحراج،
– مكنتش أتوقع إنك لسه محتفظة بالميدالية
– ازاي تقول كده؟! أنا عمري ما أفرط فيها
شعر بالزهو وإبتسم ظنًا منه أن كلامها يحمل عاطفة بداخلها لم تنتهي بعد، وأخرج من جيبه ميدالية تشبهها
– أنا كمان لسه معايا الميدالية بتاعتي
نظرت لها وهي بين أصابعه ولاحظت كم المفاتيح المُعلقة بها وأعادت ميداليتها لمكانها بداخل حقيبتها،
– الفرق كبير يا عمر بين الأتنين
– يعني ايه؟ مش فاهم!
– أنت شايفها ميدالية ومعلق فيها مفاتيحك، لكن أنا لسه شايفها ميدالية وبس وبتفكرني بحاجات كتير مش عايزة أنساها
إتسعت إبتسامته بفخر ذكوري وسألها بطريقة لا تتناسب مع بعض خصلات شعره الفضية اللون،
– عندك حق في حاجات صعب ننساها
– طبعا صعب أنسى.. الميدالية دي بتفكرني قد إيه كنت ساذجة وبتفكرني بأصعب وأسخف فترة في حياتي.. مستحيل أتخلى عنها، أنتيكة ولازم أحافظ عليها
إمتقع وجهه بحمرة الإهانة المستترة وهم بالحديث قبل أن يتحول سكونها لنشاط مفاجئ وتتحرك وهى تضع زجاجة المياة الغازية التي لم تفتحها بيده وقالت بحدة وصرامة،
– يلا سلام بقى يا عمر عطلتك كتير وعارفاك ما بتحبش الزحمة
لم تترك له فرصة لإكمال حديثهم وتحركت بهرولة وفي لحظات إختفت عن نظره وإبتلعها الزحام، عاد برأس منكس للشركة وجلس خلف مكتبه ينقل بصره بين ميداليته وزحاجة المياة الغازية المغلقة والبرقيات ووجه الأستاذ عفت في شرود تام لم يُخرجه منه غير صوت عفت وهو يهتف بدعابة سمجة،
– يعني ما جبتليش حاجة ساقعة معاك يا عمر، طب يا سيدي ما يهمكش إفتحها وإشرب براحتك
نظر له نظرة طويلة صامتة أصابت عفت بالدهشة ثم تحدث بصوت خفيض كمن يُحدث نفسه،
– في حاجات الأحسن تفضل مقفولة وما تتفتحش.





