
لم تكن رحلة منتخب مصر في البطولة مجرد مباريات تُلعب على المستطيل الأخضر، بل كانت حكاية وطن يقاتل بكل ما يملك من عزيمة وإصرار. منذ صافرة البداية أثبت لاعبو المنتخب أنهم أبناء مدرسة الكبار، وأن اسم مصر لا يدخل أي منافسة إلا وهو يبحث عن المجد، فقدموا مستويات صنعت الفخر في قلوب ملايين المصريين والعرب، وأعادوا للجميع صورة المنتخب الذي يعرف طريق البطولات.
قد تأتي الهزيمة في مباراة، لكن الأبطال الحقيقيين لا تُقاس قيمتهم بنتيجة تسعين دقيقة، وإنما بما يتركونه من أثر في النفوس، وبما يقدمونه من روح قتالية لا تنكسر. وهذا ما فعله منتخب مصر، فقد ظل متمسكًا بشخصيته حتى النهاية، وخرج مرفوع الرأس بعدما قدّم كل ما لديه أمام منافس كبير بحجم الأرجنتين.
وخلال الأيام الماضية انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث وتكهنات تربط بين خسارة المنتخب وبين موقف الكابتن حسام حسن الداعم لفلسطين ورفعه العلم الفلسطيني، وذهب البعض إلى اعتبار أن ذلك كان سببًا فيما حدث داخل البطولة. وهذه تبقى آراء وتفسيرات متداولة لم يثبتها أي دليل أو إعلان رسمي، لكنها تعكس حجم التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية، وإيمان الكثيرين بأن المواقف الإنسانية لا تُقاس بالمكاسب والخسائر الرياضية.
ولو افترض البعض أن الوقوف إلى جانب فلسطين قد كلّفنا خسارة مباراة، فإن التاريخ سيظل يذكر أن هناك رجالًا لم يتخلوا عن مبادئهم، ولم يخشوا التعبير عن موقفهم الإنساني. فالانتصارات الرياضية تبقى في سجلات البطولات، أما المواقف الشجاعة فتبقى في ضمير الشعوب، وهي التي تصنع الاحترام الحقيقي.
لقد تعود المصريون عبر تاريخهم أن يكونوا أصحاب مواقف قبل أن يكونوا أصحاب ألقاب. لذلك فإن قيمة المنتخب لا تتوقف عند كأس أو ميدالية، بل في الصورة التي قدمها للعالم، وفي الروح التي قاتل بها، وفي الانتماء الذي ظهر في كل دقيقة داخل الملعب.
اليوم، الجمعة 10 يوليو، يعود منتخب مصر إلى أرض الوطن، لكنه لا يعود مهزومًا كما يظن البعض، بل يعود بعد أن كتب فصلًا جديدًا من فصول الكرامة والكفاح. يعود وقد أثبت أن منتخب الفراعنة لا ينكسر، وأن الجماهير ستظل خلفه في الفوز كما في الخسارة، لأن الانتماء لا يتغير بنتيجة مباراة.
سنبقى فخورين بأننا مصريون، وفخورين بأن منتخبنا حمل اسم مصر بكل شرف، وأنه قاتل حتى آخر لحظة. فالبطولات قد تذهب إلى غيرنا يومًا، لكن الكبرياء لا يغادر قلوب المصريين، والكرامة لا تُشترى، والمواقف النبيلة لا تُهزم.
ستظل مصر كبيرة بتاريخها، وجماهيرها، وأبطالها، وسيظل منتخبها قادرًا على العودة من جديد، لأن الكبار قد يتعثرون، لكنهم لا يسقطون ابداً.



