
خيانة في ثوب الفضيلة
ليست الخيانة دائمًا ذلك الفعل الصريح الذي يُرتكب في الظلام، ولا ذلك الطعن الذي يأتي من الخلف كما تصوّره الروايات والأفلام. ففي كثير من الأحيان، ترتدي الخيانة ثوب الفضيلة، وتتحدث بلسان الحكمة، وتُقدّم على أنها موقف أخلاقي أو رؤية إصلاحية أو ضرورة لا بد منها. وهنا تكمن خطورتها الحقيقية؛ إذ لا تبدأ الخيانة حين يقرر شخص أن يبيع ضميره، بل تبدأ عندما ينجح في إقناع نفسه والآخرين بأن ما يفعله ليس خيانة أصلًا، وإنما «وجهة نظر» تستحق الاحترام.
لطالما ردّد الناس مقولة تُنسب إلى غسان كنفاني تنص على أن يومًا سيأتي تصبح فيه الخيانة وجهة نظر. وسواء صحت نسبة العبارة إليه أم لم تصح، فإن معناها يفتح بابًا واسعًا للتأمل في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في حياة البشر. فالتاريخ يخبرنا أن الخيانة لم تكن يومًا مجرد فعل فردي معزول، بل كانت دائمًا تُغلّف بالشعارات، وتُزين بالمبررات، ويقف خلفها من يؤمن بأنه على صواب. فالقليل جدًا من الخونة اعترفوا لأنفسهم بأنهم خونة، بينما رأى معظمهم أنهم أصحاب رسالة، أو مدافعون عن مصلحة، أو ساعون إلى مستقبل أفضل.
وهذا ما يجعل الخيانة أكثر خطورة من الخطأ. فالخطأ قد يولد من الجهل أو التسرع، أما الخيانة فهي غالبًا قرار يمر عبر مراحل طويلة من التبرير. يبدأ الإنسان بالتنازل عن مبدأ صغير، ثم يبحث له عن تفسير مقنع، ثم يكرر التنازل حتى يصبح عادة، ثم يتحول إلى شخص يدافع عن كل ما كان يرفضه بالأمس. عندها لا يعود يشعر بوخز الضمير، لأن الضمير نفسه أصبح أسيرًا للمبررات.
الخيانة ليست حكرًا على السياسة أو الحروب أو ساحات الصراع الكبرى، بل تعيش بيننا في تفاصيل الحياة اليومية. هناك من يخون صديقًا أفشى إليه أسراره، ومن يخون شريك حياته بكلمة قبل أن يخونه بفعل، ومن يخون وطنه حين يبيع مصلحته العامة مقابل منفعة شخصية، ومن يخون عمله بالإهمال، ومن يخون ضميره بالصمت حين يكون الكلام واجبًا. وكل هذه الصور تختلف في حجمها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: تقديم المصلحة الخاصة على حساب الأمانة والثقة.
ولأن الخيانة تضرب الثقة في مقتل، فإن آثارها لا تنتهي عند لحظة وقوعها. فالجرح الذي تتركه قد يبقى سنوات طويلة، وربما لا يلتئم أبدًا. الإنسان يستطيع أن ينسى الإساءة، وقد يغفر الخطأ، لكنه يجد صعوبة كبيرة في استعادة ثقته بمن خانه. فالثقة تُبنى ببطء شديد، لكنها تنهار في لحظة واحدة، وما يهدم في دقيقة قد يحتاج عمرًا كاملًا لإعادة بنائه.
المؤلم أكثر أن بعض صور الخيانة تأتي ممن منحناهم أكبر مساحة من الثقة. لذلك كان وقعها أشد من أي أذى آخر. فالعدو حين يؤذيك يؤدي الدور المتوقع منه، أما القريب الذي يطعنك، فإنه يهدم داخلك معنى الأمان ذاته. ولهذا قيل إن أخطر الطعنات ليست تلك التي تصيب الجسد، بل تلك التي تصيب القلب والعقل معًا.
وفي كل عصر يظهر من يحاول إعادة تعريف الخيانة وفق مصالحه. تتغير الكلمات، وتتبدل المصطلحات، لكن الجوهر يبقى واحدًا. يصبح التخلي عن المبادئ «واقعية»، ويصبح بيع القيم «مرونة»، ويصبح الصمت عن الظلم «حيادًا»، ويصبح الانحياز للمصلحة الضيقة «ذكاءً». ومع تكرار هذه المفاهيم، يعتاد الناس سماعها حتى يفقدوا حساسيتهم تجاه المعاني الحقيقية. وهنا تبدأ الأزمة؛ لأن انهيار اللغة يسبق في كثير من الأحيان انهيار الأخلاق.
لكن العدالة تفرض علينا أيضًا ألا نخلط بين الخيانة واختلاف الرأي. فالاختلاف سنة إنسانية، والنقد ضرورة لأي مجتمع حي، وتعدد وجهات النظر دليل صحة لا دليل ضعف. أما الخيانة فتبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى وسيلة لهدم الثقة أو بيع الأمانة أو الإضرار المتعمد بالآخرين من أجل منفعة شخصية أو مكسب ضيق. ومن أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتسع دائرة الاتهام بالخيانة حتى تشمل كل مخالف، أو أن تضيق إلى درجة تعجز فيها عن تسمية الخيانة باسمها الحقيقي.
إن الإنسان لا يُختبر حين تكون المبادئ سهلة، وإنما يُختبر عندما تصبح مكلفة. ففي اللحظات الصعبة يظهر الفرق بين من يتمسك بقيمه رغم الخسارة، ومن يبدلها عند أول إغراء. ولذلك لم يكن التاريخ يحتفي دائمًا بالأقوى، بل احتفى بمن حافظوا على أمانتهم حين كان الثمن باهظًا.
ولعل أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس أن يوجد خائن، فذلك أمر عرفته البشرية منذ بداياتها، وإنما أن يصبح الخائن مقبولًا، وأن تتحول الخيانة إلى سلوك مألوف، وأن يفقد الناس بوصلتهم الأخلاقية وقدرتهم على الشعور بقبحها. عندها لا تكون المشكلة في الأشخاص، بل في المعايير نفسها. وحين تختل المعايير، يصبح إصلاحها أصعب بكثير من مواجهة أي خيانة عابرة، لأن بناء الضمير يحتاج سنوات، أما هدمه فلا يحتاج إلا إلى تبرير واحد يلقى قبولًا واسعًا.
في النهاية، قد تختلف الأزمنة، وتتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، لكن الخيانة ستظل خيانة مهما تغير اسمها، ومهما أحاطها أصحابها بالمبررات. فالحق لا يحتاج إلى أقنعة، أما الخيانة فلا تعيش إلا خلف الأقنعة. وحين يصبح تزييف المعاني عادة، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يتمسك بقدرته على التمييز، لأن سقوط القيم لا يبدأ عندما يكثر الخونة، بل عندما يتوقف الناس عن التعرف إلى الخيانة وهي ترتدي ثوب الفضيلة.



