حين يقاوم القلب نجاته… وتنتصر المصادفة

قد تظنّ، في لحظةٍ خافتةٍ من انطفاءك، أن الحياة قد أغلقت أبوابها عليك، وأن ما تبقّى ليس سوى صدى بعيد لشيءٍ كان يُسمّى شغفًا. تظنّ أن المشاعر قد تجمّدت في أعماقك، كأنها ماءٌ نسيته الشمس، وأن قلبك صار أرضًا يابسة لا تُنبت ولا تُزهر. تتعوّد هذا السكون القاسي، وتُقنع نفسك أن هذا هو شكل النجاة الوحيد: أن تتأقلم، أن تُخفّف وطأة الانتظار، وأن تُعلن هدنةً باردة مع كل ما كان يومًا يحرّكك.
تُصبح أكثر عقلانية مما ينبغي، أكثر حذرًا مما يجب، وتُعيد تعريف الأشياء بحيث لا تؤلمك. تُسمّي الخواء سلامًا، وتُسمّي الابتعاد نضجًا، وتُسمّي الانطفاء راحة. تمضي الأيام، وتُراكم فوق قلبك طبقاتٍ من التبرير، حتى تُصدّق أنك لم تعد بحاجة لشيء… لا لدهشة، ولا لاقتراب، ولا حتى لذلك الارتباك الجميل الذي كان يُربكك قديمًا.
لكن الحياة في أكثر لحظاتها عبثية، لا تحترم قناعاتك المحكمة.
تأتيك المصادفة، لا كحدثٍ عابر، بل كاختبارٍ حقيقي لكل ما ظننت أنك حسمته. تطرق بابك دون استئذان، وتضعك وجهًا لوجه أمام شيءٍ يشبهك… أو ربما يشبه ما كنت عليه قبل أن تتعلّم كيف تُطفئ نفسك. تشعر بشيءٍ يتحرّك في داخلك، شيءٍ كنت قد أعلنت موته منذ زمن. تهتزّ مشاعرك، لا بعنفٍ صاخب، بل برجفةٍ خفيفة تكفي لتُربك يقينك كله.
ترتبك… تُقاوم… تصمت.
تُحاول أن تُعيد كل شيء إلى مكانه أن تُسكِت هذا الشعور، أن تُقنع نفسك أنه وهم، نزوة عابرة، أو خطأ في التوقيت. تخاف، ليس لأنك لا تريد، بل لأنك تريد أكثر مما تسمح به لنفسك. تخشى أن تعود تلك الفوضى التي أرهقتك، أن تنكسر من جديد، أن تُعيد خوض المعركة التي خرجت منها يومًا منهكًا.
لكن في العمق… أنت تعلم.
تعلم أن هذا الذي يحدث ليس سهل التجاهل. أن ما ظننته مستحيلًا، بدأ يتسرّب إليك دون إذن. أن هذا الركام الذي كنت تظنه نهاية، قد بدأ يتحرّك من الداخل، كأن الروح تُعيد ترتيب نفسها بين شقوقه. كيف يحدث هذا؟ كيف لشيءٍ تحطّم أن ينبض من جديد؟ كيف لنفسٍ ممزّقة أن تُحب، أن ترى، أن تُصدّق؟
ربما لأن الحياة لا تؤمن بالنهايات التي نُعلنها نحن.
ربما لأن القلب، مهما أتقن الصمت، لا ينسى لغته الأولى.
وربما لأن المصادفات ليست عشوائية كما نظن، بل تأتي حين نكون في أقصى درجات إنكارنا، لتكشف لنا أن بداخلنا جزءًا لم يمت… بل كان ينتظر فقط لحظةً صادقة ليعود.
فتجد نفسك عالقًا بين حالتين، بين “الحالم” الذي كنته، و”المتأقلم” الذي صرت إليه. بين رغبةٍ في الانطلاق، وخوفٍ من السقوط. تُقاوم المصادفة، لا لأنك لا تحتاجها، بل لأنك تحتاجها أكثر مما ينبغي. تُحاول أن تُبقي المسافة، بينما شيءٌ في داخلك يقترب دون وعي.
وفي تلك المسافة المشدودة بين القرب والابتعاد، تُولد قصتك الحقيقية.
ليست قصة عودةٍ سهلة، ولا شفاءٍ كامل، بل قصة إنسانٍ قرر، رغم كل شيء، أن يُجرّب مرةً أخرى.
أن يُخاطر بقلبه، لا لأنه قوي، بل لأنه لم يعد يحتمل هذا الجمود. أن يسمح للنور أن يتسلّل، حتى لو كان ذلك يعني أن يرى بوضوح كل ما حاول نسيانه.
وفي النهاية، قد لا يكون الانتصار في ألا تنكسر، بل في أن تجرؤ على الشعور مجددًا… رغم علمك بكل ما قد يحدث.
“أقسى ما قد تكتشفه ليس أنك انكسرت يومًا، بل أنك كنت قادرًا على النهوض واخترت ألا تحاول… لكنك حين حاولت، نجوت بكل ما فيك من مشاعر”



