
لم يقبل الوقوف مكتوف اليدين أمام ما وصل له من اقتناع تام بضرورة العودة للماضي، كل شئ بدأ في تلك اللحظة عندما قابلها مصادفة ووجد نفسه بلا سبب معلوم أو قرار سابق، يقف أمامها ويبتسم لها بشجاعة وثقة رغم علمه المسبق بحدتها إذا حاول أحدهم الحديث معها،
إبتسم وحدق في ملامحها بإفتنان ثم هتف فيها بلا تردد ” كلما رأيتك شعرت ببهجة تفوق قدرة عقلي على الإستيعاب”
ألقى بجملته التي لم يُحضرها أو يخطط لها دون أدنى خوف من عواقبها، تفاجئ بها تبتهج وترد إبتسامته بإبتسامة أكبر تخطت شفتيها وتجسدت في عيناها،
لولا هذا اللقاء وليد الصدفة، ولولا جراءته لما حدث كل ما حدث بعد ذلك، لم تكن لقصة حبهم أن تجد خطوة البدء وغرق قلبه في أعماق عشقها، جملة واحدة مهدت الطريق لحدوث كل شئ بعد ذلك،
أخبره عقله الغاضب الغارق في المعاناة، أنه لولا هذا اللقاء وتلك الجملة ربما كانت مرت حياته في طريقها دون أن يسمح لها بكامل إرادته أن تتملكه وتملك قلبه ثم في لحظة دون سابق انذار، تلفظه ساخرة وهى تنظر لبؤس حاله وهى تضحك،
فتش في كل مكان عن آلة الزمن، لم تظهر من قبل أو سبق وأكد أحدهم وجودها، لكنه يوقن أنها موجودة، سأل العلماء والأطباء وحتى المشعوذين والدجالين،
أيام طوال لم يتوقف لحظة عن البحث، العودة للماضي وتجنب لقاءهم الأول هو طوق نجاته الوحيد، سيغير طريقه، لن يقابلها، لن يخاطبها بجراءة ويُسمعها جملته، بل لن يغادر البيت في هذا اليوم ويكتفي بالإختباء خلف دخان سيجارته وهو يفوت موعدهم ويقتل قصتهم في مهدها،
أحدهم وجد له ضالته، تعويذة عمرها أكثر من ألف عام تعيده لليوم المراد، قرأها بحماس ووجد رأسه يجبره على إغماض عينيه،
دقائق لم يعرف عددها وشعر بقدرته على الرؤية دون أن يفتح عينيه، يقف أمام مرآته يصفف شعره، تفحص ملامحه بدهشه، رأسه يحمل عدد لا يُذكر من الخصلات البيضاء اللامعة بعكس الوقت الحالي، وجه به نضارة وبهجة لم تعد تحملهما ملامحه الدائمة التجهم،
هذب شعره رغم دهشته وجلس في شرفة منزله يدخن سيجارة مع فنجان قهوة وهو يتابع عقارب ساعته بلهفة وترقب، ساعة ويحين موعدهم ويفوته ويمحي قصتهم برمتها من حياته،
حركة العقارب شديدة السرعة، أصابت قلبه برجفة وروحه في رغبة عارمة في تدخين سيجارة ثالثة ورابعة، صور متلاحقة مرت بمخيلته، تجسدت ملامحها.. شعر بسماعه صوتها وهى تناديه وهى تحدثه وهى تضحك وتداعبه،
تضاعفت الرجفة حتى فقد سطوته على أصابعه وسقطت من بينهم سيجارته وكاد عقله ينفجر وهو يتابع خطوات عقارب ساعته التي بدت له تعدو وتهرول بتحدي بالغ،
صاح بصرخة مدوية لم تخرج من صدره أو تغادر فواده وفتح عينيه بصعوبة مؤلمة وهرول نحو الخارج، قاد سيارته بسرعة جنونية حتى وصل لمكان لقاءهم وهو يلهث كأنه كان يجري على قدميه،
لمحها قبل المكان تأتي من بعيد، تجمد مكانه للحظات وشعر بالفزع والتردد وفكر في الهرب، لكنه اكتشف فقدان أدنى قدرة على التحكم في جسده،
إقتربت منه بوجه مضئ وإبتسامة إستطاع سماع صوت لها يشبه نغمات جيتار يرقص،
وقفت أمامه على بُعد خطوة منه ووجد نفسه يفعلها للمرة الثانية دون وعي وهو في قمة وعيه بوجودها أمامه وفتح فمه مبتسمًا وقال بصوت غارق في الإحساس بضرورة الحدوث ” كلما رأيتك شعرت ببهجة تفوق قدرة عقلي على الإستيعاب”.


