
أتذكر في أحد أيام الدراسة في المرحلة الابتدائية، في أول أيام قدوم شهر الشتاء ببرده القارس، أننا بدأنا في ارتداء “بلوفرات” باللون الكحلي الغامق. شددت إدارة المدرسة على وجوب أن تكون الرقبة على شكل حرف V حتى يمكن لرابطة العنق أن تظهر. في هذا اليوم، وبعد انتهاء طابور الصباح والانتقال إلى الفصول، بدأ البعض يشعر بارتفاع درجة الحرارة. خشي البعض خلع البلوفر، فيما خشي البعض الآخر سؤال المدرسة عن إمكانية هذا الفعل، بينما قام آخرون بخلعه دون النظر لتلك الاعتبارات “العيالية”.
بعد انتهاء الثلاث حصص الأولى، بدأنا في التحرك صوب أرض الطابور مرة أخرى للاستمتاع بالفسحة، لكن لاحظنا أن أحد زملاء الفصل يجلس ولا يرغب في الحركة. اقتربنا منه للسؤال عن السبب، فراعنا ما رأينا: البلوفر وقد تحول إلى كومة من خيوط الصوف، وظهر قميصه الأبيض كاملًا، ولم يتبقَ من البلوفر إلا “الأكمام”.
صديقنا هذا كان في حالة من مشاعر الإحراج والحزن والخوف. فهو من فعل ذلك، ويخشى المدرس وأهله عندما يعود إلى المنزل، ويخشى أيضًا التريقة ونظراتنا له عندما يتحرك بهذا الشكل الكوميدي. بالطبع، سألناه “حصل إيه؟”، فأجاب بأنه أثناء الاستغراق في الاستماع إلى المدرسين في الحصص، تسللت أصابع يده إلى طرف البلوفر حيث وجد قطعة زائدة من الخيط، وبصورة لا شعورية أمسك بها وجذبها جذبًا خفيفًا، فوجد أن الخيط يزداد في الحجم والبلوفر يتضاءل من الوجود، ولا يعرف على وجه التحديد لماذا لم يتوقف قبل تفاقم الأمور ولا يملك إجابة عن السؤال الأول: “ماسِبتش الفتلة في حالها ليه؟”
أذكر هذا المشهد بعد أكثر من أربعين عامًا، وأنا أرى أغلبنا وهو يمسك بطرف خيوط كثيفة ويجذبها بدون أي تفكير أو مقاومة أو توقف. وهي خيوط خفية ليست لبلوفر أو ما شابه، بل هي خيوط تفكير، في الماضي والحاضر والمستقبل والموت وما بعده. وخيوط أخرى تبدأ ب “ماذا لو” و “أين” و “من” و “كيف” و “بكم” و “متى” وغيرها من أدوات الاستفهام والتعجب وأدوات النداء وأدوات الشرط وحروف الجر والعطف وحروف النصب وحروف الجزم وأدوات النفي. أفكار حقيقية وأخرى افتراضية. وفي النهاية، نتحول إلى مثل البلوفر المخروم، ولا تتغير الأحوال.
أعتقد أنه إذا أردنا حياة سعيدة، فإننا سنحتاج إلى الانتباه والتركيز على عدم لمس الفتلة البارزة أو ما يُطلق عليها “الفتلة السالتة”.




