كاتب ومقال

العوض والبديل

في عصر العلاقات السريعة، تغلغلت في وعينا الجمعي فكرتان تحولتا من ملاذين للتشافي إلى وسيلتي هروب نفسي مقنع، وهما “العوض” و”البديل”. لقد بات من الأسهل اليوم إعلان الوفاة الإكلينيكية للعلاقة عند أول منعطف، بالقفز إلى بديل جاهز يُسكن الألم مؤقتاً، أو بانتظار عوض غيبي يأتي بلا كلفة، متهربين بذلك من مواجهة عناء الترميم ومكاشفة الذات. والحقيقة النفسية الصادمة تخبرنا بأننا في كثير من الأحيان لا نترك لنبدأ من جديد، بل نترك لكي لا نواجه أنفسنا في مرآة الآخر.

ويتجلى الأثر النفسي لهذا الصراع على المرأة في شعورها العميق باستنزاف القيمة والتبدد العاطفي؛ فالخيبات المتراكمة تجعلها تشعر بتهديد مباشر لأمانها النفسي، مما يدفعها للبحث في “العوض” عن مساحة اعتراف تلمم انكسارها، في حين يمتد أثر الفقد عليها كحالة من الركود التي تستلزم وقتاً طويلاً للتعافي. أما الأثر النفسي على الرجل، فينعكس في شكل تهديد لصورة الذات والشعور بالفشل في الإنجاز العاطفي، مما يولد لديه قلقاً وجودياً وصعوبة بالغة في مواجهة الفراغ الداخلي، فيترجم هذا الضغط النفسي إلى رغبة ملحة في الحركة والبحث السريع عن “البديل” كآلية دفاعية لتخدير الإحساس بالعجز وإثبات الجدارة من جديد.

وهذا التباين يضعنا أمام وجه الاختلاف النفسي الأبرز بينهما؛ فالمرأة تتردد كثيراً قبل اللجوء للبديل لأنها تحتاج غريزياً وسيكولوجياً إلى فترة “حداد عاطفي” طويلة ومؤلمة لتفريغ شحنات الماضي، تصبر طويلاً وترمم الشروخ صامتة، لكنها إن حسمت أمرها ورحلت، ترحل بقلب بارد وقرار نهائي لا رجعة فيه. وفي المقابل، يختلف الرجل تماماً في تعامله مع الفراغ؛ إذ يهرب نحو البديل بشكل أسرع كحيلة تشتيت نفسية تجنبه مواجهة الانكسار، وربما يفضل في كثير من الأحيان الانسحاب الصامت وهو في ذات المكان متشبثاً بشكل العلاقة الخارجي خوفاً من كلفة الفوضى العاطفية.

ورغم هذا التباين الظاهري، يلتقي الرجل والمرأة في أوجه شبه عميقة تعكس جوهر الهشاشة الإنسانية؛ فكلاهما يشترك في رعب الهشاشة وخوف المبادرة بالإصلاح لئلا تُفسر ضعفاً أو تنازلاً، وكلاهما يقع في فخ أزمة الهوية حين يبحث عن قيمته المفقودة في عيون الآخر (العوض أو البديل) بدلاً من ترميمها في مرآة ذاته، ليجمعهما في النهاية تعب مشترك من فكرة البدء مجدداً مع وجوه غريبة، بينما يهرب كلاهما من الكلفة الحقيقية للبناء من جديد مع الشريك الحالي.

إن هذا التراوح يفرض علينا التمييز بوعي بين فضيلة الصبر ورذيلة الاستنزاف؛ فالتمسك يكون واجباً حين تكون الندوب وليدة سوء فهم لا سوء نية، أما الرحيل فيغدو حكمة تقتضيها الحياة حين يتحول البقاء إلى نزيف أسود يلتهم الصحة النفسية مع شريك ينكر وجعك ويأبى التغيير، وعندها لا يكون البعد فراراً، بل صيانة لما تبقى من إنسانيتك، فالقلوب ليست قطع غيار نملك ترف استبدالها فور إصابتها بعطب عابر.

“إن الهروب المتواصل إلى البدائل ليس سوى تأجيل منظم للانهيار الداخلي. نحن لا نُشفى ببديل يملأ الفراغ، بل بالوقوف طويلاً أمام تصدعاتنا حتى نعرف من أين يتسرب الألم؛ فالأشياء الثمينة لا نُلقيها عند أول شرخ، بل نُلمّع شروخها بالذهب لتصبح حكايتنا الأكثر قوة وعمقاً.”

بقلم: د. محمود علام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى