كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| النرويج والطفل والذكاء الاصطناعي

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

منذ ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي وانتشار استخدامه قبل أقل من أربع سنوات، انقسم العالم بين من يراه ثورة تكنولوجية معرفية تعليمية ستغير مستقبل المعرفة بشكل دائم وضروري ومفيد، ومن يراه خطرًا داهماً سيضعف قدرات الأجيال الجديدة على التفكير والتعلم والتحليل وفهم الأمور والتعبير والصياغة. وبين هذين الاتجاهين المتضادين، هناك الكثير من الآراء العقلانية التي ترى المميزات والمخاطر بنفس العين الثاقبة. ومن تلك الآراء نجد أن النرويج اختارت أن تتخذ موقفًا حذرًا يثير تساؤلات مهمة حول العلاقة بين التكنولوجيا والتعليم.

فقد أعلنت الحكومة النرويجية حظراً كاملاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لطلاب المرحلة الابتدائية حتى سن الثالثة عشرة، مع فرض قيود مشددة على المراحل التالية، تبدأ برقابة شديدة في السن من 14 وحتى 16 عامًا، وتعليم من هم أكبر من ذلك كيفية الاستخدام الرشيد المفيد غير الضار حتى سن التاسعة عشرة استعدادًا للانخراط في سوق العمل. فالقرار يؤكد على خطورة الأمر إذا ترك بلا تنظيم. كيف يمكن للطالب أن يتعلم التفكير إذا اعتاد أن يفكر الذكاء الاصطناعي بدلاً منه؟ والإجابة أنه لا يمكن ولن يستطيع الطالب الاحتفاظ بقدراته العقلية وتنميتها مثلما فعلنا في عصور ما قبل التكنولوجيا، وخاصة ما قبل الذكاء الاصطناعي.

المخاوف النرويجية حقيقية ومنطقية إلى حد كبير، فعملية التعلم لا تقتصر على الوصول إلى الإجابة الصحيحة، بل تشمل رحلة البحث والتحليل والخطأ والتجربة. ولذلك، فعندما يتجاوز الطالب كل هذه المراحل ويعتمد على أدوات تولد له الحلول والنصوص بشكل فوري، فإنه يخسر إلى غير رجعة جزءًا من المهارات المعرفية التي يفترض أن تبنيها المدرسة.

هذه هي وجهة نظر النرويج في وضع القيود، وهي وجهة نظر تحترم لا شك، ولكنها ليست وجهة النظر الوحيدة. فعلى الجانب الآخر، نجد العديد من الدول تتجه إلى دمج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية منذ المراحل المبكرة. وينطلق هذا التوجه من قناعة مختلفة مفادها أن التكنولوجيا أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، وأن المطلوب ليس منعها بل تعليم الأجيال كيفية استخدامها بوعي وكفاءة.

ولأننا في مرحلة التجريب، فإن النتيجة النهائية لمعرفة أي قرار هو الأصلح والأنسب والأكثر فائدة للأجيال الجديدة، ستتطلب عددًا من السنوات لقياس الأثر الحقيقي لهذه الاستراتيجية مقارنة بالاتجاه المعاكس. فمحاولات التوقع أو مد الخط على استقامته أو حتى تناول الأمر بالعقلانية والمنطقية المعتادة قد لا تكون مناسبة للأجيال الجديدة كما يمكن توقع السلوك والتأثير في أجيال ما قبل التكنولوجيا. لذلك، فإن انتظار قياس الأثر سيقطع خيوط الشك ويؤدي بنا إلى مسار واحد للتعامل مع هذه التكنولوجيا التي اقتحمت العالم حاضرًا ومستقبلًا بلا استئذان ولا هوادة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى