كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| التحول الأخضر.. معركة الوعي قبل أن تكون معركة أرقام

لم تعد قضية البيئة رفاهية فكرية أو ترفا إنسانيا كما كان يُظن قبل عقود بل أصبحت قضية وجود ومعركة بقاء ومحورا رئيسيا في كل معادلات التنمية الحديثة. لم يعد الحديث عن التحول الأخضر مجرد لغة جديدة تتردد في المؤتمرات أو وثائق الأمم المتحدة بل صار جزءا من الأمن القومي لكل دولة. فالمناخ اليوم لم يعد شأنا جغرافيا يخص الطبيعة بل شأنا سياسيا واقتصاديا وإنسانيا يمس حياة كل إنسان على وجه الأرض.

لكن جوهر المعركة لا يكمن في الأرقام ولا في النسب التي تُكتب في التقارير بل في الوعي الجمعي الذي يدرك أن البيئة ليست مجرد قضية تخص الحكومة أو المؤسسات الدولية وإنما قضية مجتمع كامل. الوعي هو الجسر الذي يعبر بنا من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التغيير الحقيقي لأن أي تحول أخضر لا يبدأ في المصانع أو المزارع بل يبدأ في العقل.

في السنوات الأخيرة خاضت مصر معركة صامتة لكنها عميقة في هذا المجال. معركة لا تُقاس فقط بمؤشرات انبعاثات الكربون بل تُقاس بإرادة سياسية وشعبية قررت أن تضع الإنسان والبيئة في قلب خطة التنمية. من مشروعات حياة كريمة التي جعلت القرية المصرية أكثر نظافة وصحة إلى المبادرات الرئاسية للطاقة المتجددة ومن مؤتمر المناخ العالمي الذي استضافته شرم الشيخ إلى المدن الذكية الجديدة كلها ملامح لوعي جديد يتشكل في وجدان الدولة المصرية.

هذا الوعي لا يقوم على الخوف من المستقبل بل على الإيمان بأن التنمية التي تضر بالبيئة ليست تنمية بل تدمير مؤجل. فالعالم كله يدفع اليوم ثمن عقود من الإهمال والجشع الصناعي. درجات الحرارة ترتفع، البحار تتمدد الصحارى تزحف والكوارث الطبيعية تتكرر بوتيرة مخيفة. ومع كل إعصار أو فيضان أو جفاف جديد يتأكد أن المسألة لم تعد تخص قارة دون أخرى وأن الكرة الأرضية كلها أصبحت في قارب واحد إما أن ينجو أو يغرق الجميع معا.

من هنا تأتي أهمية أن نفهم أن التحول الأخضر ليس معركة أرقام بل معركة وعي. لا يكفي أن نضع خططا أو نعلن نسبا أو نُصدر قوانين إذا لم يتحول الوعي البيئي إلى سلوك يومي في حياة المواطن. فالقيمة الكبرى لأي مشروع أخضر ليست في لوحة الافتتاح بل في ثقافة المجتمع الذي يتبناه ويدافع عنه.

في هذا السياق تبدو التجربة المصرية متميزة لأنها وضعت الإنسان في قلب المعادلة البيئية فربطت بين العدالة الاجتماعية والعدالة المناخية. مشروع حياة كريمة على سبيل المثال لم يكن مجرد تطوير بنية تحتية بل إعادة صياغة لعلاقة الإنسان ببيئته. مياه نظيفة صرف صحي آمن شوارع منظمة وبيوت صحية.. كلها عناصر لا تنفصل عن مفهوم التحول الأخضر لأنها تعيد للمواطن إحساسه بالكرامة البيئية كما تعيد له كرامته المعيشية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه دول كثيرة عن التحول الأخضر في القاعات المغلقة كانت مصر تُطبّقه على الأرض. الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان أصبحت واحدة من أكبر محطات العالم والغاز الطبيعي حل بديلا أكثر نظافة في ملايين البيوت والمركبات والمخلفات تُحول إلى طاقة، والمياه تُعاد معالجتها لتُستخدم في الزراعة. كل هذه المشروعات ليست مجرد إنجازات هندسية بل رسائل وعي جديدة تؤكد أن التنمية المستدامة ليست خيارا بل واجبا وطنيا.

لكن المعركة لا تزال في بدايتها لأنها ليست معركة الدولة وحدها بل معركة المجتمع كله. لا يمكن أن ننتصر في معركة البيئة ونحن نلقي المخلفات في الشوارع أو نهدر المياه أو نستهلك الطاقة دون وعي. التحول الأخضر الحقيقي يبدأ من البيت، من المدرسة، من سلوك بسيط كإطفاء مصباح أو تقليل استخدام البلاستيك. فالدولة تستطيع أن تضع السياسات لكن المواطن هو من يصنع الوعي.

ولأن القيادة السياسية في مصر أدركت هذا المعنى مبكرا فقد كان الحديث عن البيئة دائما مرتبطا بالتنمية والكرامة الإنسانية. فالمناخ ليس ترفا فكريا بل حياة. والاستثمار في الطاقة المتجددة ليس قرارًا اقتصاديا فقط بل قرار أخلاقي أيضا. ولهذا فإن مصر اليوم تسير في اتجاه جعل الاقتصاد الأخضر ليس مجرد عنوانا للمستقبل بل محورا من محاور الجمهورية الجديدة التي تُبنى على فكرة التوازن بين الإنسان والطبيعة بين النمو والعدالة بين التقدم والرحمة.

لقد آن الأوان أن ندرك أن معركة الوعي البيئي هي معركة الوجود الإنساني ذاته. لا يكفي أن ننتظر الحكومات أو المؤتمرات فكل إنسان مسؤول عن قطعة صغيرة من هذا الوطن وكل سلوك يومي يمكن أن يكون لبنة في بناء وعي أخضر جديد. عندما يتوقف طفل عن إلقاء زجاجة في النيل أو عندما يقرر فلاح أن يستخدم أسمدة طبيعية كل ذلك جزء من معركة الوعي التي لا تقل شأنا عن أي معركة في التاريخ.

إن ما نحتاجه اليوم هو أن يتحول التحول الأخضر إلى ثقافة مجتمعية وأن يدرك الجميع أن المستقبل لن يكون للأكثر ثراء بل للأكثر وعيا. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من نفط أو غاز بل بما تملكه من وعي بيئي يضمن لها الاستمرار في الحياة.

لقد خاضت مصر معركة الإرهاب فانتصر فيها الوعي على التطرف وخاضت معركة التنمية فانتصر فيها الإصرار على التحدي واليوم تخوض معركة المناخ حيث ينتصر الوعي على اللامبالاة. وكلها معارك مختلفة لكنها تشترك في مبدأ واحد: أن الوعي هو السلاح الأهم وأن القيادة التي تؤمن بالوعي تصنع مستقبلا آمنا.

إن التحول الأخضر ليس مجرد لون جديد نضيفه إلى خططنا الاقتصادية بل هو فلسفة جديدة للحياة. فلسفة تقول إن الإنسان ليس سيد الأرض بل شريكها وإن ما نأخذه من الطبيعة يجب أن نرده إليها. فلسفة تُعلّمنا أن الرقي لا يُقاس بارتفاع ناطحات السحاب بل بنقاء الهواء الذي نتنفسه وبصفاء النهر الذي يروي أرضنا وبالأمل الذي نتركه في عيون أطفالنا.

في النهاية ليست القضية أن نكتب تقارير جميلة عن الاستدامة بل أن نُغيّر الطريقة التي نفكر بها ونتعامل بها مع البيئة. فالمستقبل الأخضر لن يُولد من رحم الأرقام بل من رحم الوعي.

وهكذا.. تبقى مصر وهي تخوض معركة المناخ واحدة من الدول القليلة التي أدركت مبكرا أن التنمية ليست سباقا نحو النمو فقط بل نحو الوعي أيضا. وها نحن نرى اليوم على أرضها معادلة نادرة: اقتصاد ينهض.. وبيئة تتنفس.. وإنسان يستعيد اتزانه مع الكون.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى