كاتب ومقال

براعم صغيرة| اليتيم والكذبة البيضاء

كنت طفلا صغيرا أعشق اللعب فكنت أستيقظ من النوم باكرًا، أذهب مسرعًا لأبناء عمي وأصدقائي من الجيران ومن لم يكن استيقظ نذهب ونوقظه رغمًا عنه، ونأخذه من يده دون أن يغسل وجهه حتى!

نمرح ونلعب ونصرخ بأعلى أصواتنا ونتسابق ونتشاجر لدرجة أن أمهاتنا كانت تحضر لنا الشطائر نأكلها ونحن نلعب.

وفجأة يقطع اللعب صوت أمي: “يا حازم..يا حازم”

وأنا في حيرة بين الرد وعدمه

ولكن تذكرت شيئين عند عدم الرد على أمي: الأول أنني عندما لا ألبي نداءها ستصرخ في وجهي وتنهرني أمام أصحابي والجيران وتقلل من شأني وهيبتي أمامهم، كبيرهم وصغيرهم، والثانية أن طاعة الأم واجبة على كل بني آدم كما تقول لي أمي دائما.. ولذلك ذهبت إليها: “نعم يا أمي نعم تفضلي!”

اذهب إلى عمك عبده البقال اشتر لنا كيلو أرز ونصف كيلو فاصوليا قلت لها حاضر يا أمي فقالت كلماتها المشهورة: “أحضر الله لك الخير في كل أمورك يا بني”

ذهبت واشتريت لها وتركت ألعابي وأصحابي ومسابقاتي وكأني ذاهب إلى مكان بعيد

أتيت لها بكل ما أمرتني به دون نقص الحمد الله أخيرًا، وبعد خمس دقائق رجعت لأصحابي وأغلبهم قال لي فاتك الكثير والكثير يا حازم فحزنت وعزمت أن أصنع مكيدة لكي لا أذهب مره أخرى لهذا البقال وتنزل أمي

أو تقول لأبي يحضر لها أشياءها وهو عائد من عمله، وألعب أنا مع أصحابي أطول وقت ممكن

وبعدها بنصف ساعة نادت علي أمي مرة أخرى: “يا حازم يا حازم” فذهبت إليها وكلي حماس: أنفذ خطتي؛ فهذه المهزلة لا بد أن تنتهي

فأجبتها: “نعم يا أمي فقالت لي آسفة يا حازم نسيت طلب صغير وأبوك على وصول قلت لها تفضلي يا أمي قالت أريد بعضًا من “الشعرية”، فذهبت ورجعت بسرعة إليها وقلت لها: “ذهبت إلى عم عبده البقال وشتمني شتيمة سيئة جدًا بأبي، فتعجبت أمي وقالت: “كيف ولماذا؟ “فقلت لها: “لا أدري”
وما أن انتهيت من كلامي معها حتى وجدت أبي فجاة خلفي فقال لي مَنْ!

من الذي شتمك فقلت له: “عم عبده البقال” وذهبت بعيدا عن أبي أخفى نظرات عيني عنه لكيلا يكتشف كذبتي فذهب أبي مسرعا إلى هذا الرجل المسكين الذي لم يفعل شيئا، وكان أبي منفعلًا عصبيًا سريع الهجوم، فكان بنيان جسمه القوي ومنصبه يسمحان له بذلك، فكان لا يرى أحدًا أمامه،

وفجأة سمعت صوت أبي يعلو ويعلو، وصوت الرجل المسكين يتوسل إليه ويقول له والله لم أفعل شيئا، والله لم أقل شيئا، أنا رجل مسكين وأحبك أنت وأولادك ولكن توسلات الرجل لم ترقق قلب أبي عليه وقال له: “أنا سأعلمك الأدب”،

أتى أبي بحديدة قوية فكسر له كل زجاج المحل بما فيها إضاءة المحل وسكب بعضا من أكياس الأرز والبقوليات وغيرها من الحبوب في الأرض

فجلس الرجل بجانب أشيائه المسكوبة يبكي ويبكي ويقول يا رب خذ لي حقي يا رب خذ لي حقي أنا مظلوم

وأظن وقتها أن أبواب السماء كانت مفتوحة وتذكرت قول أمي لي ذات مرة عن حديث يقول إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب

بعدما انتهى أبي من فعلته، ذهب إلى البيت وهو يشعر بالانتصار وهو يخلع ملابسه رن هاتفه فإذا به مدير مكتبه يخبره بأن أوراقًا قد سرقت من مكتبه، فارتدي أبي ملابسه مرة أخري ونزل مسرعًا، فإذا به يرى أن أوراقا مهمة قد سُرقت من مكتبه

فوقع أبي مغشيا عليه، وكانت أمي تحاول الاتصال ولا يجيب على هاتفه، إلى أن وصلنا أول الليل، وإذا بعمي يأتي إلينا هو وصديق أبي المقرب باكين منتحبين، وجوههم مسودة من الحزن فقالت أمي ما بك يا إبراهيم ما بك يا هاشم؟ فقال عمي “أخويا مات” فقالت له أمي “أخوك مين” ولم يكن لأبي سوى هذا الأخ فقال لها: ليس لي غيره ليس لي غيره وهو يقطر دما من عينيه بدل الدموع، لحزنه الشديد على أخيه.

وبدأ الكل يبكي ويبكي

أما أنا فقد اختفيت عن أنظار الجميع وجلست أرتعش بشدة إلى أن فقدت الوعي وكنت أتمنى أن أفقد حياتي، وأذهب إلى أبي اعتذر وأقول له الحقيقة، وأحلف له أني لن اكذب أبدا، ولن أفعل ذلك مرة أخرى.

مات أبي بسبب دعوة مظلوم وبسبب كذبتي،

تعلمت باقي حياتي ألا أكذب أبدًا وأنه ليس هناك ألوان للكذب

الكذب كله أسود.

والآن ومنذ هذه اللحظة وأنا لا أكذب أبدًا مهما كلفني الأمر، وتعلمت أن دعوة المظلوم لا بد أن تنتصر، وأنها ليس بينها وبين الله حجاب كما كنت أسمع في المذياع.

ولكن لم أكن أعلم أن دعوته ستُستجاب مبكرًا هكذا، وفجأة دون مقدمات.

فتعلم يا صديقي ألا تكذب أبدًا، ولا تظلم أحدًا فكذبة واحدة دمرت حياة أبي، ودمرت صاحب البقالة بإهانة أبي له ولكرامته وبقالته

الكذب كله أسود.

أعلم أن هذه ليست هي المشكلة فحسب، وأن الأعمار والآجال بيد الله، وكان أبي سيموت، ولكنه مات بعد كذبتي ودعوة المظلوم عليه فأنا السبب.

فأرجو منكم يا أصحابي ألا تكذبوا أبدًا، ولا تظلموا أحدًا؛ فالنهاية حتمًا ستكون مؤلمة وموجعة.

الطالب: مروان عبد الله أحمد علي

محافظة القاهرة
إدارة غرب مدينة نصر
مجمع الملك فهد المتميز للغات
المرحلة الابتدائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى