المتحف المصري الكبير.. كيف نجحت مصر في إحياء التاريخ!

رغم ارتفاع صوت الرصاص حولنا شرقًا وغربًا وجنوبًا إلا أن مصر كان لها رأي آخر، فاختارت أن يكون السلام هو الشعار الأسمى في احتفالية المتحف المصري الكبير، وظلت شعارات “Welcome to the land of the peace” مسيطرة على الأجواء، وسط حضور لأكثر من 39 رئيسا وملكًا ورئيس حكومة، وغيرهم من القادة.
المتحف المصري الكبير.. تميز مطلق
وحدها مصر التي يمكن أن تملك زمام الإبهار، بما لديها من تاريخ وحضارة تضرب في عمق الزمن لأكثر من 7 آلاف عام، فيأتي المتحف المصري الكبير، على مساحة تبلغ نحو 1/2 مليون متر مربع، تضم في طياتها أكثر من 100 ألف قطعة أثرية لثلاثين أسرة، ليصبح المتحف الأكبر في العالم على الإطلاق يضم الكنوز الأثرية من دولة واحدة.
يكفيك أن تعرف أن مساحة المنطقة المخصصة لعرض الأثرية في المتحف المصري الكبير، تبلغ وحدها نحو 92 ألف متر مربع، في حين تبلغ إجمالي مساحة متحف اللوڤر في فرنسا 72 ألف متر مربع، ومساحة متحف هيرميتاج “state hermitage museum” في سان بطرسبرغ بروسيا، تبلغ 66.8 ألف متر مربع، ومساحة المتحف الوطني الصيني 65 ألف متر مربع، إجمالًا.
تميز موسيقي وسياسي
إن ما تصنعه مصر وسط ظروف اقتصادية قاسية يؤكد أن لدينا العزيمة لننهض وننطلق؛ فمن يملك تاريخًا مثلما تملك مصر! ولعل حضور الأمس يؤكد أن هذا التناغم الموسيقي الذي صاغه العبقري هشام نزيه وأدارة بجدارة المايسترو ناير ناجي، بمشاركة فرق موسيقية من أوروبا وإفريقيا وآسيا، لم يكن أقل براعة من السمفونية الدبلوماسية والسياسية التي تناغمت فيها مؤسسات الدولة من السياحة والآثار والثقافة والدفاع والخارجية والداخلية والنقل والتنمية المحلية وغيرهم لتخرج هذه الصورة الراقية، وهو ما نحتاجه في مشروعاتنا الوطنية، أن تغيب الأنا وأن يكون الحاضر “مصر”، وفقط!
لم يكن ما شاهدنا أمس وليد اللحظة، إنما حصاد رحلة امتدت لأكثر من 20 عامًا، منذ وضع حجر أساس المتحف، بدعم ياباني سخي، حتى حفلة الافتتاح المبهرة في تفاصيلها، وإن كان هناك بعض الهفوات التي تحدث في هذه الفاعليات الضخمة، ولكن المجمل كان إمتاعا في العرض البصري وتسويق للعديد من الأماكن السياحية المصرية من أسوان والأقصر والقاهرة وغيرهم، لترفع أسهم التوقعات، ونصبح في انتظار نحو 5 ملايين سائح سنويًا، وهو رقم يحتاج إليه الاقتصاد المصري ليلتقط أنفاسه ويمضي معتمدًا على مصادر محلية للعملة الصعبة، وهي الرقم الأصعب في المعادلة.
حضر التاريخ وتأخر الحاضر
لا غبار على أن تاريخ مصر وتراثها لا يباريان مكانة وقوة يشهد بها القاصي والداني ولكن حفل المتحف المصري الكبير غاب عنه الحضور القوي للشخصية المصرية بأطيافها، فلم نشاهد رقصات الفلكلور المصري الغنية بتنوعها وموسيقاها، ولعل المتابع سأل نفسه أين ذهبت الشخصية المصرية بحضورها فنًا وعلمًا وتميزًا؟
نعم.. ظهر د. مجدي يعقوب وبطلات الذهب وعدد من الفنانين والممثلين ولكننا ما زلنا في حاجة ملحة إلى وجوه مصرية يعرفها العالم كما كان لدينا قبل ذلك زويل ونجيب محفوظ وعمر الشريف وفاتن حمامة وغيرهم، لذلك فيجب العمل على قدم وساق لدعم الشخصية المصرية والتنقيب عن كنوزها في كل مكان، وأذكر مبادرة متميزة للمؤسسة العربية للإعلام والثقافة تعنى بهذا الجانب، كما كانت مؤتمرات “مصر تستطيع” التي نجحت من خلالها الوزيرة الدؤوب نبيلة مكرم في جذب مئات الشخصيات البارزة من العلماء والخبراء إلى أرض الوطن؛ لنستفيد من علمه وننهل من خبرته.
ونحن في نشوة بهذا الإنجاز الكبير، علينا أن نتحدث في تعاون المؤسسات الرسمية للترويج للسياحة بكفاءة وفاعلية، لتستمر السيمفونية في تناغمها وتفوقها، لا أن نعود إلى النشاز وأن تحلق كل مؤسسة منفردة.. ليبقى السؤال: من بضبط الإيقاع ويدعو الجميع إلى طاولة واحدة يكون الهدف الأسمى فيها رفعة هذا الوطن، وليس تلميع الأشخاص!




