المعاملة بالمثل ليست عدلًا

أؤمن أن مبدأ “المعاملة بالمثل” ليس عدلًا كما يظنه الكثيرون، بل هو نوع من التنازل عن ذاتنا الحقيقية لصالح تصرفات الآخرين. لأنكِ حين تُعاملين الناس بمثل ما يعاملونكِ، فأنتِ تتخلين عن ثباتكِ، وتسمحين لهم أن يُشكّلوا ملامحكِ، وكأن قيمكِ مرهونة بسلوك غيركِ.
في رأيي، العدل الحقيقي ليس أن نرد بالمثل، بل أن نكون أنفسنا مهما تغيّر من حولنا. أن نحافظ على جوهرنا النقي حتى في وجه الإساءة، لأن من تُبدّلها المواقف لم تعرف بعد معنى الثبات.
تخيّلي لو أنكِ عاملتِ كل إنسان على طريقته: القاسي بقسوة، والبارد ببرود، والمنافق بنفاق. ستكتشفين في النهاية أنكِ فقدتِ اتزانكِ، وأنكِ لم تعودي تعرفين من أنتِ. ستكونين انعكاسًا متقلبًا للآخرين، لا مرآة صافية لذاتكِ الأصيلة.
الكرامة لا تُقاس بقدرتنا على الرد، بل بقدرتنا على الثبات.
حين يكذب أحدهم، فهذه طبيعته هو، لا دلالة على سذاجتكِ.
وحين يرحل شخص دون تفسير، فذلك خياره، لا انتقاص من قيمتكِ.
الناس تكشف حقيقتها في تصرفاتها، لا في رأيها بكِ. فلا تسمحي لسلوكهم أن يعبث بصورة نفسكِ في داخلكِ.
الله سبحانه وتعالى قال: “واهجرهم هجراً جميلاً”، ولم يقل “ردوا عليهم كما يفعلون”.
الهجر الجميل ليس ضعفًا، بل هو قمّة القوة، أن تبتعدي بأدب، وتختاري السلام بدل الجدال، وأن تحفظي كرامتكِ دون أن تُسقطي أحدًا من عينكِ.
إنه فن الابتعاد النبيل الذي لا يُتقنه إلا أصحاب النفوس الكبيرة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من أكرمك فأكرمه، ومن استهان بك فأكرمه بالبعد عنه.”
ما أعمق هذه الجملة، وما أصدقها. فالإكرام بالبعد ليس هروبًا، بل حفاظ على الاتزان النفسي. لأن المرأة الراقية لا ترد الإساءة بإساءة، ولا تسمح لأحد أن يُبدّل نقاءها إلى ردود فعل متوترة.
لقد أصبح من السهل اليوم أن تفقد المرأة ثقتها بنفسها وسط عالم يعج بالمقارنات والأحكام.
لكن الحقيقة أن قيمتكِ لا تحددها نظرات الناس، ولا تُقاس بعدد من أحبكِ أو من رحل عنكِ.
قيمتكِ تنبع من داخلكِ — من وعيكِ بنفسكِ، من قدرتكِ على النهوض بعد كل خذلان، من ثباتكِ أمام التقلّب.
قوتكِ ليست في رفع الصوت، بل في هدوء يُربك من أراد استفزازكِ.
من رأيي أن ردّ الفعل ليس دائمًا دليل قوة، بل أحيانًا هو اعتراف ضمني بأن الطرف الآخر استطاع أن يُغيّركِ.
أما الصمت الواعي، والابتعاد الراقي، فهما أعلى درجات النضج النفسي.
المعاملة بالمثل تُرضي لحظة الغضب، لكنها تُتعبكِ فيما بعد.
أما المعاملة بالقيم، فهي لا تحفظ فقط كرامتكِ، بل تُعزز ثقتكِ بنفسكِ. لأنكِ حين تختارين الرد بالأخلاق لا بالانفعال، فأنتِ تؤكدين أنكِ صاحبة قرار، لا أسيرة لموقف.
تذكّري دائمًا:
أن تكوني طيبة لا يعني أن تُستغلّي،
أن تُسامحي لا يعني أن تُهانِي،
أن تبتعدي لا يعني أنكِ ضعيفة،
بل يعني أنكِ عرفتِ قيمتكِ، وقررتِ ألا تضيّعيها.
في النهاية، من رأيي أن الارتقاء الحقيقي لا يكون في ردّ الفعل، بل في اختيار الرد الذي يُشبهكِ أنتِ ردّ المرأة الواثقة، الحكيمة، التي تعرف أن كرامتها ليست موضوع تفاوض، وأن السلام النفسي أثمن من أي انتصار مؤقت.




