إبداعات كلمتنا| “ساعة الحظ”

لم يُصدق قصة المجنون ووقف أمام ساعة الحائط العملاقة بخوف متمكن من روحه وعقله يطلب منه الإنصراف وفضوله يدفعه بقوة نحو تحريك البندول ورؤية ما سيحدث حينها،
أخبره المجنون أنها ساعة سحرية تستطيع إعادته ثلاثون عامًا للخلف، قصر قديم مجهول شبه متهدم في شارع مهجور في أحد الأحياء القديمة، نُسجت حوله قصص الجن والأشباح والجميع يخشون دخوله، المجنون ظل يقفز ويصيح على طريقة الأطفال وهو يخبره بالقصة كاملة من أولها،
الساعة بها سحر خارق يعيد العمر مرة أخرى، فعلها وجرّب وسافر للماضي وتأكد من صدق الساعة لكنه طمع فيما هو أكثر وعاد للحاضر مرة أخرى ولكنه تفاجئ بأن الساعة لا تسمح لأي مسافر إلا برحلة واحدة فقط، معلومة رغم أهميتها لم يعرفها إلا بعد عودته، من وقتها أصابه الجنون وصار حبيس القصر لا يفعل شئ سوى الصياح والصراخ والتحدث مع الساعة علها تستجيب وتسمح له برحلة جديدة وتغير قانونها الصارم،
لم يجد بداخله قوة كافية لإتخاذ القرار والقيام برحلة العودة للماضي، القصر لن يتحرك من مكانه والساعة لن يسرقها أحد، مزيد من التفكير لن يضر بل بلا شك هو في أمس الحاجة إليه،
الثلاثون عامًا يعيدونه لفترة مراهقته، حينها كان غارقًا في حب زينب زميلة دراسته، إبتسم وهو يتذكرها ويتذكر ملامحها، كانت شديدة الرقة بوجه أبيض مضئ وأعين شديدة السواد لها نظرة كانت تُسكر عقله وتحول قلبه لورقة شجر يحملها الهواء ويتجول بها كيفما يشاء،
وقف أمام المرآة يتأمل ملامحه بشبح إبتسامة، إزداد وجهه نحافة وبرزت عظام وجنتيه وغلب اللون الأبيض سواد شعره، مازالت زينب بداخله لكنها مجرد شبح يتذكره حين تمر بمسامعه إحدى أغنيات التسعينيات القديمة لمحي أو عمرو أو إيهاب توفيق،
لا لن يقبل بالرحلة من أجل زينب، إذا قبل القيام بالرحلة عليه الصمت والسكون وإنتظار ثلاث سنوات حتى يقابل ميادة، نعم هى ميادة حب عمره وملهمته الأولى والأخيرة، لا ضرر من إنتظار ثلاث سنوات حتى لقائهم الأول في الجامعة،
إتسعت إبتسامته وهو يسخر من نفسه ومن إعتبار ما حدث يسمى بلقاء، أركان اللقاء لم تكتمل يومها وأبدًا لم تكتمل، لم تشعر بوجوده ولم تراه أو يُحدثها، لم يقترب منها ويشم رائحتها ويتأكد من حقيقة لون عينيها،
أحبها على طريقة القصص الشعبية، الشاطر حسن وبنت السلطان، فقط نظرات من على بعد دون أدنى محاولة للإقتراب حتى شاهدها ووقوفها مع آخر يتكرر وسمع الهمسات وعرف أنهم مرتبطين، لا أحد يحب من يخشى الإقتراب،
ولكن.. ماذا لو عاد ولم يستطع الإقتراب وخانته شجاعته وكرر بؤسه وإكتفى بالتحديق فيها من بعيد، العودة للماضي تضمن له تصويب العديد من أخطاءه، أمسك بورقة وقرر تدوين كل شئ فعله وندم عليه وكل شئ لم يفعله و أصابه من الندم أضعاف،
أفزعه إمتلأ الورقة وهو فقط يتذكر أول خمس سنوات من الثلاثين!، إمتعض وتعرق وإغتصب سيجارته بفمه وهو يشعر بغضب عارم من نفسه ومن ماضيه، كل هذه الكراهية لأفعال لم يفكر فيها من قبل، صعوبة الحاضر والفزع من المستقبل جعلوا الماضي مشوش في عقله،
شرد.. غضِب.. ثار بحنق حتى إرتفع ضغطه وسارع بتناول قرص دواءه الذي أصبح لا يفارق جيب معطفه،
ولكن كل شئ لا يعادل فرصة جديدة معها، لو أنه تصرف بشجاعة لأستحوذ على مشاعرها وإمتلك قلبها، هو أوسم من حبيبها وأطيب ويملك ميزات تفوقه بكثير، فقط كان ينقصه أن تراه، من يرى الحب يشعر به ويتسلل إلى قلبه،
القرار غاية في الصعوبة وفيه مجازفة جعلته يرتجف وهو يتخيل المرور بنفس الأشياء مرة أخرى، نحب الحياة ونتمسك بها لكن هل بالفعل نقبل تكرارها!،
انتهى به التفكير إلى القيام بزيارة لها في عملها، يعرف مكانه ويزاملها فيه أحد أصدقاءه القدامي، ذهب وقابله وإدعى المرور بالجوار بالصدفة وجلس بصحبته يهذي بحديث سمج بلا روح حتى ظهرت وإقتربت، لم تتذكره.. وكيف تتذكر من لم تعرف،
إرتبك وتوتر وحدق فيها بكل جوارحه و إستمع لحديثهم بتركيز رغم الرجفة المتمكنة من كل خلجاته، حديث مزعج وصوت مرتفع بلا داع وألفاظ مُحبطة لم يتوقعها منها، تحدثت بذراعيها ويديها قبل لسانها دون أي اكتراث لوجود غريب بصحبة زميلها،
لأول مرة يراها بكل هذا القرب وليته لم يراها وظلت على صورتها كما رسمها بدقة متناهية في خياله، أحيانًا الإقتراب من الأشخاص يضاعف المسافة بيننا وبينهم،
لملم خيباته وإحباطاته وغادر دون أن يلتفت للوراء ويُلقي عليها نظرة أخيرة، أصبح النظر للخلف محض عبث وهراء، صوتها المرتفع تحول لضربات سياط عنيفة فوق روحه المحطمة،
خرج ووجد نفسه دون إرادته يذهب للقصر، الساعة في مكانها فوق الحائط وأسفلها المجنون جالسًا مقرفصًا في صمت مخيف وهو يبكي وجسده يهتز، جلس بجواره وحاول مواساته دون جدوى كأنه تحول لتمثال أو جزء من الجدار خلفه لا يسمع ولا يدرك ولا يتوقف عن البكاء الصامت،
أمسكه من ذراعه وأجبره على الوقوف ودفعه بقوة خارج القصر قبل أن يعود ويقف وحيدًا أمام الساعة يتأملها ورأي صورتها متجسدة فيها وهى تشيح بيديها وذراعيها وصوتها المرتفع المزعج ضرب رأسه بقوة دفعته للإمساك بحجر صلب وإنهال على الساعة حتى أتم تحطيمها وخرج وهو يلهث وجذب المجنون من يده وهو يتمتم ويعرف أنه لا يسمعه، ما فات فات ولن يعود.




