كلمة ورد غطاها| في مديح الصبار وذم الورد

منذ قديم الأزل، نحب الورود ونكره الصبار بالرغم من ان كل شيء في هذه الحياة له جانبان أحدهما مضيء والأخر مظلم او سلبي، لا يوجد ابيض واسود او ملائكة وشياطين، فالورد مثلا ارتبط بالجمال والحب والإنسانية والذكريات الجميلة فلا يكاد يخلو ديوان شعر أو أغنية من ذكره، وكأن الجمال لا يُرى إلا من خلال ألوان الورود ولا يحس الا من خلال استنشاق عبيره. لكن هل فكرنا يومًا أن هذا الجمال، بكل ما يحمله من سحر، له جانب سلبي يحتاج الى الذم والنفور او التأمل في انه لا يجب أن نكتفي بالمظهر دون أن نبحث عن الجوهر وهنا يطل علينا نبات آخر، صامت، صبور، لا يغري العيون كثيرا بل على العكس ربما يرتبط بالحزن والوحشة والقبور والفيافى وهنا اقصد نبات الصبار، فهل لا نستطيع ان بحثنا ان نجد به اى مميزات؟
والحقيقة فالصبار كنبات لا يطلب الكثير، بل ربما يكتفي بأقل القليل. يعيش في الصحراء القاحلة حيث لا ماء ولا ظل، فيثبت هناك وينمو، كأنه يقول: “لن أستسلم”. أوراقه ليست رقيقة ولا هشة مثل الورد، بل هي قوية، غليظة، تحتفظ بالماء في داخلها لأيام وشهور كرمز للقدرة على التكيف مع الظروف، والقدرة على التحمل. فما أكثر ما نحتاج في حياتنا إلى صفات كهذه.
الورد، على الجانب الآخر، قد يكون جميلًا لكنه مدلل. يحتاج إلى ماء منتظم، وتربة مناسبة، واعتناء دائم. أوراقه الرقيقة تتساقط سريعًا، عمره قصير، جماله مؤقت. الورد لا يصمد أمام رياح قوية، ولا يحتمل حرًّا شديدًا أو بردًا قارسًا. فهو جمال ينهار عند أول اختبار، كما ان فروعه لا تخلو من الاشواك.
حين نتأمل الصبار نجد أنه لا يزين فقط الصحاري، بل صار رفيقًا للإنسان في البيوت والحدائق. هو لا يستهلك ماء كثيرًا، لا يطلب رعاية يومية، ومع ذلك يمنحنا حضورًا مريحًا وصامتًا. بعض أنواعه تعطينا زهورًا بديعة، لكنها لا تأتي بسرعة، بل بعد انتظار طويل. وهنا يكمن درس بليغ أن أجمل الأشياء تحتاج صبرًا حتى تثمر.
الورد رمز للحب الرومانسي، لكن الصبار يمكن أن يكون رمزًا للحب الحقيقي: الصامد، الطويل العمر، الذي لا ينكسر مع الزمن. فأيهما أجدر بالمديح إذن، هل الحب الذي يزهر يومًا ويذبل سريعا، أم ذاك الذي يتحمل جفاف الأيام وقسوة الظروف وينضج على نار هادئة
ربما آن الأوان أن نعيد النظر في موازين الجمال. الورد يأسر العين لكنه يخدعنا بضعفه، بينما الصبار لا يبهرنا في لحظة لكنه يثبت قيمته مع مرور الوقت، وكذلك اغلب البشر، فكم من أشخاص بسطاء المظهر، لكنهم يملكون من الإخلاص والرضا والصبر والقدرة على التحمل ما يجعلهم أروع من كل الزهور المتفتحة، وفي زمن يركض فيه الناس وراء المظاهر، يذكرنا الصبار أن القيمة الحقيقية ليست في القشرة الخارجية البراقة بل في القدرة على مواجهة العواصف. هو نبات الحكمة، بينما الورد نبات الغرور المؤقت والمتعة الزائلة
دعونا إذا نمدح الصبار ولنذم الورد قليلًا، فالورد حظى بالمديح كثيرا ونسينا الصبار تماما.


