كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| من الاستيراد إلى التصنيع.. رحلة البحث عن القوة

بقلم: شحاتة زكريا

لم تعد قوة الدول في القرن الحادي والعشرين تقاس فقط بما تمتلكه من جيوش أو موارد طبيعية أو مساحات جغرافية واسعة، بل أصبحت تقاس بقدرتها على الإنتاج والتصنيع وامتلاك التكنولوجيا. فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لا يحترم سوى القادرين على صنع احتياجاتهم والمساهمين في تشكيل الاقتصاد العالمي لا أولئك الذين يكتفون بدور المستهلك..

وخلال العقود الماضية اعتمدت كثير من الدول النامية على الاستيراد باعتباره الطريق الأسهل لتلبية احتياجات الأسواق المحلية. كانت السلع تأتي جاهزة والتكنولوجيا تشترى والمنتجات تعرض على الأرفف دون الحاجة إلى خوض مغامرة التصنيع المعقدة. لكن التجارب أثبتت أن هذا الطريق رغم سهولته الظاهرية يحمل في داخله مخاطر كبيرة على المدى الطويل..

فالاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، ويضعه تحت رحمة الأزمات العالمية وتقلبات أسعار العملات واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية. وقد كشفت السنوات الأخيرة بوضوح حجم هذا التحدي بعدما شهد العالم أزمات متلاحقة أثرت على حركة التجارة الدولية وأسعار الغذاء والطاقة والمواد الخام.

في تلك اللحظة أدركت دول كثيرة حقيقة مهمة وهي أن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأمن السياسي أو العسكري. فالدولة التي لا تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية أو التي تعتمد بشكل كامل على الخارج في تلبية متطلبات مواطنيها تظل معرضة للضغوط مهما امتلكت من مقومات أخرى.. ومن هنا بدأت رحلة البحث عن القوة الحقيقية..

إن التصنيع ليس مجرد إنشاء مصانع أو زيادة أرقام الإنتاج بل هو مشروع حضاري متكامل. فكل مصنع جديد يعني فرص عمل جديدة وخبرات تتراكم ومهارات تتطور وقيمة مضافة تظل داخل الاقتصاد الوطني. كما أن الصناعة تخلق شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها بداية من النقل والخدمات اللوجستية مرورا بالتعليم والتدريب وصولا إلى البحث العلمي والابتكار..

ولعل أبرز ما يميز الدول الصناعية الكبرى أنها لم تصل إلى مكانتها الحالية من خلال الصدفة أو الوفرة المالية فقط وإنما عبر رؤية طويلة المدى استثمرت في الإنسان قبل الآلة وفي المعرفة قبل المنتج وفي التعليم قبل الأرباح السريعة. فالصناعة في جوهرها ليست مباني ومعدات بل عقول قادرة على التطوير والإبداع والمنافسة..

وفي مصر أصبحت قضية التصنيع المحلي أكثر حضورا من أي وقت مضى. فالعالم يشهد تغيرات متسارعة والمنافسة أصبحت أكثر تعقيدا والاقتصادات التي تبحث عن الاستقرار لم يعد أمامها سوى توسيع قاعدة الإنتاج وتعميق الصناعة الوطنية..

وخلال السنوات الأخيرة شهدت الدولة جهودا كبيرة في تطوير البنية التحتية وإنشاء المناطق الصناعية الجديدة وتحسين شبكات الطرق والموانئ وتوفير بيئة أكثر جذبا للاستثمار. ورغم التحديات الاقتصادية العالمية فإن الهدف ظل واضحا: بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وأكثر استعدادًا للمستقبل..

لكن النجاح في هذه المعركة لا يعتمد على الحكومة وحدها. فالتصنيع مشروع مجتمع كامل. يحتاج إلى مستثمر يؤمن بالإنتاج وعامل يتقن عمله ومستهلك يمنح المنتج الوطني فرصة عادلة ومؤسسات تعليمية تواكب احتياجات سوق العمل وإعلام يعزز ثقافة العمل والإبداع بدلا من ثقافة الاستهلاك..

والحقيقة أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصادات النامية ليس نقص الإمكانات بقدر ما هو غياب ثقافة الإنتاج. فهناك فارق كبير بين مجتمع ينظر إلى العمل باعتباره وسيلة للكسب فقط ومجتمع ينظر إليه باعتباره أداة لبناء المستقبل. كما أن هناك فرقا بين اقتصاد ينتظر ما ينتجه الآخرون واقتصاد يسعى إلى أن يكون جزءا من عملية الإنتاج العالمية..

ولذلك فإن التحول من الاستيراد إلى التصنيع لا يبدأ داخل المصانع فقط بل يبدأ داخل العقول. يبدأ عندما يؤمن الشباب بأن المهارة أهم من الشهادة وحدها وأن الإبداع قيمة اقتصادية حقيقية وأن المستقبل سيكون لمن يملك المعرفة والقدرة على التطوير..

وفي عالم يتجه بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والصناعات الرقمية لم يعد التصنيع التقليدي وحده كافيا. فالقوة الاقتصادية الجديدة تبنى على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا بقدر ما تبنى على خطوط الإنتاج. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في البحث العلمي وربط الجامعات بالصناعة وتشجيع رواد الأعمال والمبتكرين..

إن رحلة التصنيع ليست سهلة ولا تحقق نتائجها بين ليلة وضحاها. فهي تحتاج إلى صبر وتخطيط واستمرارية. لكنها في الوقت نفسه الطريق الأكثر أمانا نحو بناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة..

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الدول التي تصنع تملك قرارها وأن الدول التي تنتج تستطيع حماية مصالحها وأن الاقتصادات القوية لا تبنى بالاستهلاك وحده بل بالعمل والإبداع والقدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات والطموحات إلى إنجازات..

وفي النهاية فإن الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع ليس مجرد خيار اقتصادي بل خيار استراتيجي يتعلق بمستقبل الأوطان. إنه رحلة بحث عن القوة بمعناها الشامل قوة الاقتصاد، وقوة المجتمع، وقوة الإنسان القادر على صناعة مستقبله بيديه.. وحين تنجح الأمم في هذه الرحلة فإنها لا تحقق الاكتفاء فقط بل تفتح لنفسها أبواب المنافسة والتأثير والريادة. وعندها تتحول من مجرد سوق تستهلك ما ينتجه الآخرون إلى قوة تساهم في إنتاج المستقبل نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى