
هناك شعوب تهزم في ميدان القتال ثم تنهض من جديد وهناك شعوب لا تهزم عسكريا لكنها تسقط حين يهزم وعيها. فالحروب الحديثة لم تعد تدار كلها بالدبابات والطائرات بل أصبح أخطرها ذلك الذي يستهدف عقل الإنسان ويعيد تشكيل أفكاره وقناعاته حتى يظن أن ما يراه حقا هو الحقيقة الوحيدة وما يسمعه هو الرواية الكاملة. ومن هنا لم تعد القراءة ترفا ثقافيا ولا هواية يمارسها البعض وإنما أصبحت إحدى أدوات الدفاع عن حرية العقل واستقلاله.
فالعقل الذي لا يقرأ لا يبقى محايدا بل يصبح أرضا خالية وما أكثر من يتسابقون اليوم لاحتلال العقول قبل احتلال الأرض. وكل فكرة لا يصنعها الإنسان بنفسه قد يصنعها له غيره وكل وعي لا يبنيه بالمعرفة قد يبنى له بما يخدم مصالح الآخرين.
في زمن سابق كانت السلطة الحقيقية في يد من يمتلك القوة أو المال أما اليوم فقد انتقلت إلى من يمتلك القدرة على التأثير في الوعي. فالمعركة لم تعد على الحدود وحدها بل داخل الهواتف المحمولة ومنصات التواصل وشاشات الحواسيب حيث تتدفق ملايين الرسائل كل يوم لا لتخبر الناس بما يحدث فقط وإنما لتقنعهم كيف يفكرون وماذا يصدقون ومن يحبون ومن يكرهون..
ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعلومة السهلة فقد أصبح كثيرون يكتفون بالعناوين ويصدرون الأحكام من مقطع لا يتجاوز دقيقة أو منشور لا يتجاوز بضعة أسطر. وهنا تكمن الخطورة فالعقل الذي يتوقف عن القراءة الطويلة يتوقف تدريجيا عن التفكير العميق ويعتاد الأحكام السريعة ويصبح أكثر قابلية لتصديق ما يوافق هواه لا ما تثبته الحقائق..
إن القراءة ليست جمعا للمعلومات بل تدريب يومي على التفكير. إنها تعلم الإنسان أن لكل قضية أكثر من زاوية ولكل رواية أكثر من وجه وأن الحقيقة لا تبنى من جملة مبتورة أو صورة مجتزأة أو تعليق غاضب. ومن يقرأ كثيرا يدرك أن اليقين المطلق قليل وأن الحكمة تبدأ عندما نتعلم الإصغاء قبل إصدار الأحكام.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس تراجع معدلات القراءة في حد ذاته وإنما تراجع قيمة القراءة في الوعي العام. فقد أصبح البعض يقيس المعرفة بسرعة الوصول إلى المعلومة بينما المعرفة الحقيقية لا تقاس بسرعة الوصول بل بقدرة الإنسان على الفهم والتحليل والمقارنة والاستنتاج. وهناك فارق كبير بين من يعرف خبرا ومن يفهم أبعاده وبين من يحفظ معلومة ومن يحولها إلى وعي وسلوك.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمة نزل بها الوحي على سيدنا محمد ﷺ هي “اقرأ” . لم تكن دعوة إلى معرفة الحروف فحسب بل كانت إعلانا بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقله وأن النهضة لا تفرض بالقوة وإنما تصنع بالمعرفة. فكل حضارة عظيمة سبقتها حركة قراءة وكل مشروع تنموي ناجح سبقه احترام للعقل وكل أمة قادت العالم كانت قد تعلمت أولا كيف تقرأ ثم كيف تفكر ثم كيف تبدع.
ومن يتأمل تاريخ الأمم يدرك أن المكتبات كانت دائما شريكة في بناء الحضارات وأن الكتاب كان السلاح الأول لكل نهضة حقيقية. لم تبن اليابان مكانتها بالموارد الطبيعية ولم تصنع كوريا الجنوبية تقدمها بالصدفة ولم تصبح الدول المتقدمة في مقدمة العالم لأنها امتلكت الثروات فقط بل لأنها استثمرت في الإنسان والإنسان لا يبنى إلا بالعلم والقراءة والثقافة.. أما المجتمعات التي تهجر الكتاب فإنها تفتح أبوابها دون أن تشعر أمام الخرافة، والشائعة، والتطرف، والتعصب، لأن العقل الذي لا يمتلك أدوات التفكير يصبح أكثر استعدادا لتصديق أي خطاب يلامس مشاعره حتى وإن خالف المنطق والواقع..
ولذلك فإن أخطر ما تنتجه قلة القراءة ليس الجهل فالجهل يمكن علاجه وإنما الوهم بالمعرفة. أن يظن الإنسان أنه يعرف كل شيء لأنه شاهد عشرات المقاطع القصيرة او تابع مئات المنشورات بينما هو في الحقيقة لم يمنح نفسه فرصة واحدة للتأمل أو البحث أو القراءة المتأنية. وهنا تتحول المعرفة إلى انطباعات والحقائق إلى آراء ويصبح النقاش صراعا لا حوارا..
ومع التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تعد مسؤولية الإنسان أن يحصل على المعلومات فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع لكن المسؤولية الحقيقية أصبحت في التمييز بين الصحيح والزائف وبين المحتوى الذي يبني العقل وذلك الذي يستهلك الوقت ويصنع الضجيج. فالآلة تستطيع أن تقدم الإجابة لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان الحكمة ولا أن تعلمه حسن التقدير ولا أن تغرس فيه القيم التي تصنع الضمير..
ولهذا فإن القراءة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد أقل أهمية بل أصبحت أكثر ضرورة. لأن المستقبل لن يكون لمن يمتلك المعلومة وإنما لمن يمتلك القدرة على تحليلها، وربطها، ونقدها، وتوظيفها في خدمة الإنسان والمجتمع.. وليس دور الأسرة والمدرسة والجامعة أن تدفع أبناءها إلى حفظ المعلومات بل أن تغرس فيهم حب السؤال وشغف الاكتشاف واحترام الكتاب والإيمان بأن العقل الذي يتوقف عن التعلم يبدأ في التراجع مهما بلغ من العمر أو المنصب أو الخبرة..
وفي النهاية تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الإنسان قد يُسلب ماله أو منصبه أو حتى حريته لكنه لا يهزم حقا إلا إذا تخلى عن حقه في التفكير. والعقل الذي يقرأ قد يختلف معك وقد يناقشك وقد يراجع نفسه لكنه لا يقاد بسهولة لأنه يمتلك بوصلة تميز بين الحقيقة والزيف وبين الرأي والدعاية وبين المعرفة والادعاء.
لهذا فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأوطان لا يبدأ من بناء الجسور والطرق وحدها مهما كانت أهميتها وإنما يبدأ ببناء الإنسان القادر على أن يقرأ، ويفكر، ويسأل، ويختار عن وعي. فالأمم التي تحترم الكتاب تحترم العقل والأمم التي تحترم العقل هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها.
ولعل أعظم ما يمكن أن نهديه إلى أبنائنا ليس هاتفا أحدث ولا جهازا أكثر تطورا بل عادة قراءة تمنحهم مناعة ضد التضليل وقدرة على التفكير وثقة في البحث عن الحقيقة. فالعقل الذي يقرأ لا يسهل قيادته لأنه لا يمنح مفاتيحه لأحد… بل يحتفظ بها دائما في يده.




