كاتب ومقال

السينما التي لا تشبهنا.. لكنها تشبهنا

بقلم: سمر مرسي

في زمن لم تعد فيه الشاشة تعرف حدودًا جغرافية، أصبح من الطبيعي أن يبدأ يومنا بمسلسل كوري، وننتقل مساءً إلى فيلم إسباني، ثم نتعلق بحكاية تركية، ونجد أنفسنا في اليوم التالي أمام فيلم عربي أو مصري يحكي تفاصيل تشبه حياتنا. عشرات المنصات فتحت أمامنا أبوابًا لم تكن متاحة بهذا الاتساع من قبل، وجعلت السينما العالمية أقرب إلينا من أي وقت مضى؛ لغات مختلفة، ثقافات متباينة، عادات لا نعرفها، وشخصيات تأتي من أماكن بعيدة تمامًا عن عالمنا. ومع ذلك، يحدث شيء غريب وسط كل هذا الاختلاف: قد نجد أنفسنا نبكي على حكاية كورية، نتوتر مع بطل إسباني، نتعاطف مع امرأة تركية، أو نشعر أن شخصية لا تتحدث لغتنا تفهم شيئًا بداخلنا أكثر من شخص نعرفه في حياتنا اليومية. وهنا يظهر السؤال الأكثر إثارة: كيف يمكن أن نرى أنفسنا في أفلام لا تشبهنا؟

قد تجلس في القاهرة لتشاهد فيلمًا عن شاب ياباني لم تسمع من قبل عن مدينته، ولا تعرف لغته، ولا تشبه تفاصيل حياته أي شيء في حياتك.. ثم تكتشف، بعد ساعتين وهي مدة الفيلم، أنك كنت تبكي معه.

الغريب ليس أن السينما تستطيع أن تجعلنا نتعاطف مع شخصيات نحبها. الغريب أننا أحيانًا نتعلق أكثر بشخصيات لا تشبهنا أصلًا.

فـ كيف يمكن لمصري أن يشعر أن بطلًا مكسيكيًا «فاهمه»؟ ولماذا قد تتأثر فتاة عربية بقصة امرأة فرنسية تعيش في زمن مختلف تمامًا؟ وكيف يمكن لمشهد عن أب وابن في كوريا أن يوجع شخصًا لم يغادر القاهرة طوال حياته؟

ربما لأن السينما لا تطلب منا، في أفضل لحظاتها، أن نكون مثل الشخصية.. بل أن نعيش مكانها قليلًا.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر ألعاب السينما إنسانية وذكاءً: وهي أن تستعير حياة شخص آخر مؤقتًا.

في دراسات الإعلام، يُستخدم مفهوم «التماهي مع الشخصية» أو Identification لوصف حالة يصبح فيها المشاهد منخرطًا في منظور الشخصية وتجربتها، وليس مجرد شخص يتابعها من الخارج.

ويشير بعض الباحثين في دراستهم حول «التماهي مع الشخصيات السينمائية، الدرامية»، إلى أن المشاهد قد ينتقل مؤقتًا من موقع المتفرج إلى موقع الشخصية نفسها؛ فيتبنى منظورها وأهدافها ويختبر الأحداث من داخل تجربتها، لا من خارجها.

بمعنى آخر: عندما نشاهد فيلمًا، لا نسأل دائمًا: «هل هذه الشخصية تشبهني؟» أحيانًا يحدث شيء أعمق: «ماذا لو كنت أنا مكانها؟»

وهذا الفارق الصغير هو في جوهره سر كبير.
لأن التشابه ليس شرطًا دائمًا للتعاطف. قد نحب شخصية لأنها تشبهنا في العمر أو المهنة أو طريقة التفكير، وهذا بالفعل يمكن أن يقوّي علاقتنا بها، لكن السينما العظيمة تستطيع أن تفعل شيئًا أكثر إثارة: أن تجعل الاختلاف نفسه بوابة للتقارب.

نأخذ مثلًا فيلمًا يضعنا داخل حياة مهاجر، أو امرأة تعيش في مجتمع شديد الاختلاف عن مجتمعنا، أو طفل ينشأ في حرب، أو رجل عجوز يعيش وحدة لا نعرفها. هنا نحن لا نحتاج إلى أن نكون قد عشنا تجربته حرفيًا حتى نفهم خوفه.

يكفي أن نعرف الإحساس الذي يقف خلف الخوف.

وهنا تكمن قوة الحكاية: التفاصيل قد تكون محلية، لكن المشاعر تستطيع أن تكون عابرة للحدود.

الأب الياباني قد تكون له طقوس مختلفة تمامًا عن الأب المصري، لكن خوفه على ابنه مفهوم. المرأة الفرنسية قد تعيش في شارع مختلف، وتتحدث بلغة مختلفة، لكن إحساسها بالخيانة ليس بحاجة إلى ترجمة. الشاب المكسيكي قد لا يعرف شيئًا عن مصر، لكن رغبته في أن يحمي وطنه يمكن أن تصل إلى مشاهد يجلس على بعد آلاف الكيلومترات.

السينما لا تلغي الاختلافات؛ هي فقط تمنحنا فرصة لرؤيتها من الداخل.

وهذا مهم، لأن هناك فرقًا بين أن تعرف عن شخص وأن تعيش معه حكايته.

ففي كثير من الأحيان يمكنك قراءة عشرات المقالات عن مجتمع آخر، ومع ذلك يظل «الآخر» بالنسبة إليك فكرة بعيدة. لكن عندما تقضي ساعتين داخل رأس شخصية، تسمع خوفها، وترى العالم من زاويتها، وتنتظر معها النتيجة.. يتحول الآخر من معلومة إلى تجربة شعورية.

ولهذا ارتبط التماهي في دراسات السينما بما يسمى أحيانًا «الدخول إلى السرد» أو Transportation؛ أي الانغماس في عالم الحكاية، بحيث يصبح المشاهد أقل وقوفًا على مسافة من الأحداث وأكثر مشاركة في تجربتها.

وتشير أبحاث في مجال الاتصال والسرد إلى أن الانغماس في القصص والتماهي مع الشخصيات يمكن أن يرتبطا بالتأثير العاطفي الذي تتركه الحكاية، وبالطريقة التي يفكر بها المشاهد في القضايا والأفكار التي تطرحها.

لكن هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. نحن لا نتعاطف دائمًا مع «الطيب».

أحيانًا نشعر بشيء تجاه شخصية نرفض أفعالها أصلًا. قد نفهم قاتلًا دون أن نبرر جريمته، أو نشعر بألم شخصية أنانية دون أن نصبح أنانيين، أو نبكي على شخص ارتكب خطأ لا يمكننا قبوله.
وهذا تحديدًا ما يجعل السينما مختلفة عن الحياة اليومية.

في الواقع، قد نغلق الباب أمام شخص لأننا حكمنا عليه خلال دقائق. أما الفيلم فيمنح الشخصية وقتًا طويلًا لتشرح نفسها أمامنا. نراها وهي وحدها، نعرف ما لا يعرفه الآخرون عنها، نسمع أفكارها، ونكتشف اللحظة التي صنعت غضبها أو خوفها أو ضعفها.

وهنا نجد أن الفيلم لا يطلب منا بالضرورة أن نقول: «هو على حق».
بل قد يدفعنا إلى سؤال أكثر نضجًا: «كيف وصل إلى هنا؟»

وهذه المسافة بين التبرير والفهم هي إحدى أكثر المناطق ثراءً في تجربة المشاهدة.

والأمر لا يتوقف عند الشخصيات الفردية. فالتعرض لقصص وثقافات أجنبية يمكن أن يؤثر أيضًا في نظرتنا إلى «الآخر» على مستوى أوسع؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن التعرض لمنتجات ثقافية أجنبية، ومنها الأفلام والبرامج والرسوم المتحركة، قد يرتبط بتكوين علاقات شبه اجتماعية مع شخصيات من خارج الجماعة، وبمواقف أكثر إيجابية تجاه الثقافات الأجنبية.

لكن علينا ألا نمنح السينما قدرة سحرية ليست لديها.
ففيلم واحد لا يمحو الصور النمطية، وشخصية محبوبة لا تكفي وحدها لصناعة فهم حقيقي لمجتمع كامل. بل إن السينما نفسها قد تعيد إنتاج الصور النمطية إذا اختزلت الشعوب في شخصيات نمطية أو قدمت ثقافة كاملة من زاوية واحدة.

لذلك، ليست المسألة أن السينما تجعلنا جميعًا متشابهين. ربما العكس تمامًا.

السينما الجيدة تجعلنا قادرين على الاقتراب من المختلف دون أن نطالبه أولًا بأن يصبح مثلنا.

وهنا تكمن قوتها الثقافية الحقيقية. أن تشاهد فيلمًا يابانيًا وتخرج منه وأنت لم تصبح يابانيًا. تشاهد فيلمًا مكسيكيًا ولا تتحول إلى مكسيكي. تشاهد حكاية امرأة من زمن آخر ولا تتخلى عن زمنك.

كل ما يحدث أنك تعود إلى حياتك ومعك شيء صغير من حياة لم تكن لك.

ربما خوف؛

ربما حلم؛

ربما سؤال؛

وربما، في أفضل الحالات، شخص لم تقابله أبدًا، لكنه ترك بداخلك إحساس غريب بأنك تعرفه.

لذلك، ربما السؤال الحقيقي ليس: لماذا نرى أنفسنا في الأفلام التي لا تشبهنا؟

السؤال الأجمل هو:
كيف استطاعت السينما أن تجعل «الآخر» يبدو، ولو لساعتين، كأنه واحد منا؟

لأننا في النهاية لا نذهب إلى الفيلم بحثًا عن حياتنا كما هي.

نذهب أحيانًا لنكتشف أن حياة مختلفة تمامًا.. يمكن أن تحمل قلبًا يشبه قلبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى