
انتهت العاركة المرتقبة بين المعلم بحيري فتوة حارة أبو عجة بفوز ساحق على المعلم رتيمة فتوة حارة العقباوي، معركة تأجلت أكثر من مرة لأسباب عديدة وكلما ظن أهل الحارتين بحلول السلام بين بحيري ورتيمة، تراشق رجالهم بالعبارات والسباب والتلقيح واحتقنت القلوب ووجب وقوع عاركة فاصلة لتتويج أحدهم منتصرًا واعلان المنتصر فتوة بلا منافس،
احتفل أهل حارة أبو عجة بإنتصار فتوتهم بالطبل والرقص في ساحة الحارة أمام قهوة أبو عجة، تلك القهوة التي تشهد وتوثق كل احداث الحارة يومًا بيوم، رغم أن المعلم بحيري لا يحمل بقلبه ذرة ود تجاه المعلم منصور أبو عجة، إلا أنه لم يفكر ولو مرة واحدة في اعلان كراهيته له أو محاولة النيل منه والقضاء عليه،
كلما فكر في ذلك تراجع وتذكر أن وجود القهوة بمعلمها منصور ضرورة لابد منها، القهوة بمثابة ديوان أعمال بحيري وساحة تجمع رجاله، والأهم من كل ذلك أن القهوة هي مصدر سرد القصص والحكايات عن بطولاته وجولاته،
منصور أبو عجة رغم سماجته وجبينه اللامع بملمس دهني، إلا أنه أفضل من يقص الحكايات، له طريقة جذابة يحبها أهل الحارة من الألاضيش ويتجمعون حوله بإنصات ويظل يتحرك يمينًا ويسارًا ويقفز ويتقوس ويشير ويشيح ويعلو صوته ويرتفع كأنه مجموعة من الرجال لكنهم بحنجرة واحدة،
بعد العاركة الكبرى المنتظرة بين بحيري وعقباوي، وقف أبو عجة خلف كرشه العملاق بمنتصف القهوة وهو يصف العاركة بالتفصيل ويزيد عليها من خياله الكثير والكثير، للرجل سحر خاص يجعل أهل الحارة ينسون ما رآوه بأعينهم ويُفتنون ويسمعون بإنصات لقصته ومن شدة إعجابهم يؤمنون أنها أصدق من أعينهم بلا شك،
أكثر من مرة فكر بحيري في التخلص من أبو عجة وإيجاد معلم بديل للقهوة ولكنه في كل مرة يتراجع ويأجل الفعل لأجل غير معلوم،
وجود القهوة بالحارة ضرورة قصوى للسيطرة على عقول أهلها بقصص أبو عجة الخيالية، بدون القهوة لن تعيش بطولات بحيري أكثر من ساعة واحدة، بعد أعظم المعارك تعود الحارة لهدوئها ويجمع الصغار النبابيت المكسورة ويلهون بها وتعود النساء لإفتراش الأرض وبيع الفجل والجرجير البايت،
أبو عجة أكثر أهل الحارة معرفة ويقين بما يضمره ضمير المعلم بحيري، لكنه يعرف أيضا أن لا أحد يضاهيه في الحكي واختلاق احداث خيالية زائفة تلهب مشاعر ضعفاء أهل الحارة، موهبته المنفردة في صناعة الأكاذيب والبطولات الزائفة هي سر وجوده وصموده أمام بطش بحيري ورغبته في كسر كل من يتصف بالبطولك حتى لو كانت تلك البطولة في الحكي والتقمص،
لم يقبل المعلم رتيمة ولا رجال حارة العقباوي هزيمتهم المُرة من بحيري ورجاله، الثأر لابد منه وسحق الأدمغة بالنبابيت هدف لا تراجع عنه، تجمع رجال الحارة واستدعوا من تركها وغادر وراسلوا الأقارب والأصهار وكل أعداء بحيري في كل الحارات وما أكثرهم،
العاركة القادمة يجب أن تكون النهائية، لن يتركوا أيًا من رجال بحيري برأس سليم فوق كتفيه، قالها رتيمة بقوة وحسم.. الضرب في المليان يا رجالة والبكى على راس الميت،
في كل معاركهم السابقة كان يعلم بحيري بقدومهم بوقت كاف يمكنه من الاستعداد والتأهب، مباغتة بحيري ورجاله أولى خطوات الإنتصار،
تسلل رجال رتيمة أصحاب الوجوه الغير مألوفة واحدًا تلو الآخر وجلسوا متباعدين داخل قهوة أبو عجة، لم يعرفهم أحد على الإطلاق.. فقط فطن لهم منصور أبو عجة وهو يجلس خلف طاولته المرتفعة، لم تخدعه أياديهم الفارغة من النبابيت وكشفهم من ثخانة سواعدهم ورقابهم وملامحهم الجافة وأعينهم المتحفزة،
ابتسم في صمت وهو يشعر بدنو نهاية بحيري، احيانًا لا تحتاج للقضاء على عدوك بنفسك، يكفي أن تبصر عدوه ولا تخبره بوجوده،
فور وصول موكب بحيري الساحة، انهالت عليه الحجارة من فوق منازل ضحاياه من أهل الحارة، ذعر وارتباك وصياح ووجد بحيري نفسه محاط برجال يأتون من مدخل الحارة وآخرون من خلفه خرجوا من رحم القهوة، عاركة لم تستمر طويلًا قبل أن يسقط بحيري على وجهه برأس مشقوق من المنتصف، هرب من هرب وراح من راح واختلطت الصرخات بالزغاريد في صخب عملاق خرافي حتى هذب رتيمة شاله فوق كتفه العريض وجلس في مقدمة القهوة مبتسمًا وهو يرى أبو عجة يهتف ويشير ويشيح ويقفز ويتقوس ويحكي بطولة رتيمة فتوة الحارة الجديد، مؤكدًا لأهل الحارة أن وجود الفتوات بينهم.. سببه الوحيد سرد الحكايات بساحة القهوة.





