كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| مدرسة الطريق

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

ماذا لو حصل الطفل على أفضل تعليم في العالم، لكنه لم يغادر غرفته قط؟ هل يصبح أكثر علمًا أم أقل خبرة بالحياة؟ في هذا الإطار، وربما ردًا على هذا السؤال، يقول الكاتب الألماني هاينريش بُل، الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1972: “لقد علمني الطريق المؤدي إلى المدرسة أكثر مما علمتني المدرسة.” المقولة عميقة، وربما نشعر بعمقها وأهميتها هذه الأيام، التي تغولت فيها أدوات التحول الرقمي وساهمت في تحقيق إمكانية العمل والدراسة، بل وحتى الحصول على العلاج عن بُعد، أي بدون الانتقال إلى محل العمل أو المدرسة أو المستشفى. ورغم أن هذه الأدوات تزيد الفاعلية والدقة والسرعة وتعالج إشكاليات المسافات أو حتى الاضطرابات أو الأوبئة مثل كوفيد، إلا أن تلك الأدوات تساهم كثيرًا في إثبات صحة تلك المقولة.

يعرف الأهل وعلماء التربية كيف تغير المدرسة سلوك الطفل وقدرته على التفاعل في المجتمع، بل والالتزام في المنزل أيضًا. وهو أمر يظهر جليًا بدءًا من رياض الأطفال ودور الحضانة، حيث يظهر تأثيرها سريعًا. ثم الانتقال إلى مراحل الدراسة الأولى، وصولًا إلى الجامعة. نجد أن الاحتكاك مع الطلاب والأساتذة في المدارس وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات يغير من الشخصية كثيرًا، وكذا أيضًا الاحتكاك مع البشر ووسائل المواصلات المختلفة في الرحلة اليومية إلى المدرسة أو الجامعة. بداية من الذهاب سيرًا على الأقدام، مرورًا بمترو الأنفاق أو القطار أو الأوتوبيسات العامة أو الخاصة أو التاكسي، وصولًا إلى السيارة الخاصة. فلكل وسيلة مفرداتها وروادها ومواقفها اليومية، وهذه أمور تضيف إلى التعليم التقليدي والأكاديمي تعليمًا من نوع آخر: تعليم كيف هي الحياة الحقيقية. وهو أمر قد لا يدركه الطالب في حينه، ولكنه يكون جزءًا غاية في الأهمية من شخصيته وتفاعلاته المستقبلية.

أمر مشابه في مجال اللعب أيضًا. فالطفل الذي يقضي وقت اللعب في المنزل مع الهاتف الذكي أو الألعاب الإلكترونية المخصصة يختلف عن ذلك الذي ينتقل إلى أحد النوادي الرياضية. وهؤلاء وهؤلاء يختلفون عن الطفل الذي يلعب مع أقرانه في الشارع. ولأنني من الجيل الذي قضى في الشارع وقتًا طويلًا، كان فيه الشارع أكثر أمانًا وأقل خطورة من حيث البشر والدراجات النارية والكلاب وغيرها من المخاطر التي نراها اليوم، فإننا نستطيع بسهولة أن نكتشف طفولة من يتحدث معنا، حتى وإن كان فوق الخمسين أو الستين، هل كان جل لعبه في البيت أم النادي أم الشارع، أو ما هي النسبة الغالبة لأماكن اللعب.

لذلك، نحتاج كثيرًا إلى الاهتمام والتركيز على التأثيرات والآثار غير المباشرة للتكنولوجيا والتقدم في وسائل الاتصال وأداء الأعمال، ونتأكد من أننا نستطيع تعويض ما نخسره نتيجة الإقبال على تلك الأدوات بصورة أو بأخرى، تمامًا مثلما قد نلجأ إلى المكملات الغذائية لتعويض النقص في الغذاء الذي نتناوله كل يوم. فربما يأتي يوم تصبح فيه المدرسة مجرد شاشة، لكن سيظل الطريق إليها، بكل ما يحمله من لقاءات ومواقف وتجارب، جزءًا من المنهج الذي لا تستطيع أي تقنية أن تنقله بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى