
لا أكون مبالغًا إن قلت إن الحياة تنتهي عندما تنتهي الدهشة. الدهشة هي ما تبقينا متفاعلين وفي حالة نشاط وحماس. تبدأ الدهشة منذ الميلاد وندعو الله أن تستمر حتى آخر يوم. البداية مع الأطفال حيث نجد شعور الدهشة متعاظمًا ومتواجدًا بكثرة. من الطبيعي أن يقل مع الوقت نتيجة التعرف على الكثير من أحداث الحياة وقواعدها وسننها ومواقف البشر، ولكن بالرغم من هذا التراكم المعرفي، إلا أنه – وشكرًا لله – لا تتوقف الحياة عن إدهاشنا. مواقف جديدة وقواعد جديدة تكسر أحيانًا ما نعرفه من القواعد والأنظمة المستقرة.
على سبيل المثال، نجد الكثير من خبراء السياسة الدولية يصابون بالدهشة وينقلونها إلى الأشخاص العاديين مما يحدث في العالم هذه الأيام من أحداث وتوترات ومشاحنات، وأحيانًا حروب خارج أي قواعد أو أطر سابقة.
الأمثلة لا تُعد ولا تُحصى، حتى المبدع يحتاج إلى دهشة، فهي بمثابة الوقود الذي تحتاجه ماكينة الإبداع لتعمل وتتحرك وتنتج.
ولعل من أكثر ما يقتل الدهشة أن يحاول الإنسان أن يبدو وكأنه لا يندهش، وأنه يعرف كل شيء ويتوقع كل شيء، وكأن الاعتراف بالدهشة انتقاص من معرفته أو تميزه، من خلال التخلي عن الاعتراف بالإحساس بشعور الدهشة الرائع.
للأسف الشديد نجد أن عصر المعلومات وما به من شبكات ومنصات للتواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي المبهرة تأتي إلينا كل يوم، بل كل ثانية، بأمور جديدة حقيقية ومختلقة. فكثرة الدهشة قد تؤدي في النهاية إلى غيابها؛ فحين يصبح كل شيء مدهشًا، لا يعود شيء مدهشًا، سواء من كثرة المواد المعروضة أو حتى من كثرة الأكاذيب، حيث يشعر المستخدم بالخجل عندما يندهش ثم يكتشف أن ما اندهش من أجله مجرد كذبة.
على أي حال، لا بد من الانتباه والحفاظ على هذا الشعور، فكما قلنا في أول المقال، هذا الشعور هو إكسير الحياة وهو وقود الإبداع وأكسجين البقاء على قيد الحياة، أو فلنقل… على قيد الدهشة.




