روايات عالمية| سلوى بكر والعربة الذهبية لا تصعد الى السماء

بمناسبة ترشيحها للبريكس 2025
هذه هي العربة الذهبية. لا تلمع، لا تطير، لا تحمل أحدًا. “لكنها– فقط – تُذكّرنا بأن الجمال ليس فيما نراه، بل فيما نفشل في رؤيته”.
لا تكتب سلوى بكر لقارئ يريد أن يشعر بالراحة، فهذا آخر ما يدور في رأسها، إنها تكتب عن القلق الوجودي للمرأة، أو تكتب عن الزنزانة الفكرية التي تعيش فيها المرأة، الانسان، وزنزانة سلوى بكر لا سقف لها ولا ملجا آخر منها في مجتمعات تنضح بالذكورية وتتنفس تعقيم عقل المرأة بل واجتثاثه أحيانا أخرى!
أما لماذا لا تصعد العربة الذهبية إلى السماء؟ فذلك لأن السماء ليست فوقنا، بل داخلنا ميتة، لايمكن للعربة الذهبية أن تصعد لأنها لا تخرج من العالم، بل من الوعي. إنها ليست وسيلة عبور إلى ما فوق، بل هي وهم العبور ذاته. في هذا، تكون سلوى بكر أقرب إلى سارتر أو ألبير كامي منها إلى النسوية التقليدية فالسجن ليس مكانًا، بل حالة وجودية. عزيزة (بطلة روايتها العربة الذهبية لا تصعد للسماء) لا تموت داخل القضبان، بل تموت داخل الاستحالة؛ استحالة أن تكون المرأة، أو الإنسان، شيئًا غير ما كتب عليه أن يكون! هل يذكرك ذلك بأمر ما، نعم إنها الميثولوجيا الإغريقية القدرية برمتها، سيزيف وصخرته العرجاء!.
تتعدد الأسئلة الفلسفية والوجودية التي تطرحها سلوى بكر في روايتها التي كان البعض يرى أنها كانت تستحق أن تحتل مكانتها بين أهم مئة رواية عربية بديلا للبشموري روايتها الأخرى التي احتلت مكانها في هذه القائمة، علينا أن نتساءل هل تعد عزيزة قاتلة بعد أن تقتل زوج أمها الذي أحبته، ودخلت بسبب ذلك السجن، والرواية كلها تدور في أجواء السجن، هل تدرك عزيزة أنها مازالت أسيرة حبها لهذا الرجل الذي قتلته، وأن قتله لم يجعلها تتخلص من أسر حبها له؟.
السؤال المرتبط بالسؤال السابق، هل القتل انتفاضة أم اعتراف بالعجز؟ عندما تقتل المرأة الزوج، العشيق، الأب، السجان، المفترض أنه المعادل الموضوعي لوجودها، لكن الإشكالية هنا أنها لا تُفكك القهر، بل تُعيد إنتاجه داخلها. القتل هنا ليس ثورة، بل انتحار مؤجل. فالسكين لا تُطلق سَراحٍك، بل تُعيدِك إلى ذاتِك كقاتلة، أي إلى ذاتك كما رآك القانون الذكوري أو كما حددها لك في هذا المجتمع الذي لا يتخلى عن ارتداء الأقنعة في حياته!
تبدو أسئلة الرواية قاسية فلسفيا وجماليا ولغويا، أنظر لهذه الفقرة “كانت عزيزة تُفكّك غرز جرحها بالمشبك، تُخرج الخيط كأنها تُخرج قصيدة من لحمها”، فإذا تساءلنا هل يوجد فعل حر للمرأة داخل لغة صُنعت لتُسمّيها مجرمة قبل أن تُسمّيها إنسانة؟، إنها تدمغ اللغة ذاتها بأنها ذكورية، ومنحازة، وكاذبة، هذ الاتهام التاريخي والاجتماعي لا يمكننا الهروب منه أو الإجابة عليه بشكل مطلق، فالعربة الذهبية رمزيا هنا لم تكن رمزا للخلاص، بل لأنها كذبة أخرى فردت لها الأساطير والأوهام في التاريخ الإنساني، فالعربات الذهبية ليست للنساء على شاكلة عزيزة، أو هي ليست للمرأة العربية، أو هي ليست لنساء العالم كلهن، فالباق للنساء هو الكذبة أو الوهم المطلق، هو فكرة – وفقا للرواية- أن هناك عدالة أخروية، تجبرنا الرواية على التفكير في السؤال الوجودي القاسي المرير، ليست هناك سماء يمكن أن تصعد بنا العربة الذهبية إليها، العربة لا تصعد لأن لا سماء تنتظرنا، بل فقط ذاكرة مؤلمة لا تُنسى ولا تُغفر، هنا تصبح فكرة الخلاص المستحيل، أو الحلم بالخلاص أقسى اشكال القهر الإنساني.
يحيلنا ذلك إلى البحث عن سؤال وجودي نسبي، هل السجن مكانأم زمن أم جاذبية مطلقة لايمكن الفرار منها؟ الرواية لا تروي ما حدث، بل ما لا يزال يحدث. الزمن ليس خطيًا، بل دائري، هنا يذكرنا الأمر بفوكو في عمله الأشهر المراقبة والمعاقبة، فنحن – كما تشكلنا في المجتمع – أسرى أفكارنا، أو أوهامنا التي تشكلت من فكرة لا يمكنها التحقق، فالسجينات لا يَعْدُمْنَ الحرية، بل يَعْدُمْنَ الزمن.والمكان والزمن أسيران للجاذبية فيزيائيا، فالسجن ليس الجدران، بل اللحظة التي تُدرك فيها أنكِ لن تخرجي منها حتى داخل رأسك.، الفكرة هنا كالجاذبية أصبحنا نحن أسرى لها، نحن أسرى للجاذبية الشمسية التي هي أسيرة بدورة أسيرة لجاذبية المجرة، الخلاص من المجرة والشمس يبعثرنا في الفضاء الكوني، هنا يصبح القيد والأسر ضرورة حياتية حتى لو كنا نلجأ للموت، انها فكرة أننا معلقون جميعا، في مجموعة من الدوائر الأكبر، خاضعين لزمن ومكان نسبيين، هذه هي فكرة الرواية ، المرأة خاضة لدائرة الرجل، والرجل والمرأة خاضعان للسلطة، والسلطة خاضعة لمفاهيم العالم الأكبر التي هي حقا مفاهيم سلطوية ذكورية، لا يمكن لهذه الفكرة الخروج من داخلنا، أصبحنا مرضى، بمرض لا علاج له وأبدي ملتصق بنا، هنا لن يكون الانسان حرًا داخل ذاكرته، بل أصبحت الذاكرة نفسها هي السجان الأكبر!
هل يمكنك أن تتخيل أن سلوى بكر كانت تعاقب رجلا، الحقيقة أن سلوى كانت تتهم النظام والمجتمع بأكمله، هنا عليك أن تعيد النظر في لغة سلوى بكر، فالرجل من وجهة نظر الرواية ليس شخصية، بل بنية لغوية هو القانون، الدين، العرف، الذاكرة. هو العين التي تراكِ دائمًا كمجرمة محتملة. لذلك لا يظهر الرجل كإنسان، بل كـغياب مؤسسي. الغياب هنا ليس نقصًا في النص، بل عمقه الفلسفي: فالقهر لا يوجه لكِ كلامًا، بل يُوجد لغة لا تستطيعين الكلام خارجها. هنا علينا أن نسأل السؤال التالي هل يمكن للمرأة أن تفكر خارج اللغة الذكورية دون أن تُصبح غير قابلة للفهم؟.. أترك لكم الإجابة!
ننتقل للسؤال ألأهم، هل الموت نهاية أم بداية؟ عزيزة تموت في الحرب مع السجانات، لكن موتها ليس نهاية الخلاص، بل بداية إدراك استحالته. الموت هنا ليس هروبًا، بل اعترافًا. إنها تموت لأنها أدركت أن العربة لن تصعد، وأن السماء ليست مكانًا، بل وهمًا. في هذا، تكون عزيزة أقرب إلى سيزيف التي تُدحرج العربة/الصخرة/ الفكرة/الوعي لا إلى الأعلى، بل إلى داخلها. هنا يصبح الوعي ذاته هو أقصى أشكال الهزيمة!
هل تقدم سلوى بكر رواية نسوية أم إنسانية؟ الحقيقة أنها رواية عن الإنسان الذي يُجرَّم لأنه وُلد في جسد أنثى. لكنها أيضًا عن الإنسان الذي يُجرَّم لأنه وُلد في جسد إنسان. فالقهر هنا لا يبدأ عند الجندر، بل عند الوعي. الوعي بأنك محكوم عليك بالبقاء داخل جدران لم تبنَ لك، بل عليك، ذات يوم كتبت في قصيدة ” كنت أظن أن السجن صنع خارجكم.. لكنه في الحقيقية كان قد شيد داخلكم!”. ويتبقى السؤال الأهم هل يمكن للأدب أن يكسر الجدران دون أن يُعيد بناءها داخلنا؟
الحقيقة أن العربة الذهبية لا تصعد، لكنها لا تسقط أيضًا. تبقى معلقة في الوعي، كسؤال لا يُجاب، كجرح لا يُغلق، كحلم لا يُتحقق لكنه يُعيد إنتاج الألم، وهذا وحده هو العمل الأدبي الحقيقي: لا أن يُعطيك إجابة، بل أن يُبقيك داخل السؤال، داخل الزنزانة، داخل العربة التي لا تصعد ولا تسقط، بل تُحلق في فراغ الاستحالة، حيث لا سماء ولا أرض، فقط وعي يُدرك أنه أسير.




