كاتب ومقال

جمهورية النهر.. كيف ترقص مع القطيع دون أن تتعثر؟

بقلم: سمر مرسي

تُعد قصة «نهر الجنون» واحدة من أعمق الاستعارات الأدبية التي تصف «سيكولوجية القطيع»، وهي وإن كانت تُنسب في الوجدان الشعبي لتوفيق الحكيم، إلا أنها تظل صالحة لكل زمان ومكان لتشريح فكرة الديمقراطية المرضية حيث تصبح الغالبية هي معيار الصواب، حتى لو كان الصواب هو الانتحار الجماعي.

نخب من السم..
في قديم الزمان، حيث كانت الممالك تُقاس برجاحة عقول حكامها لا بعدد لايكات رعاياها، وقعت كارثة لم تكن في الحسبان. لم يكن غزوًا بربريًا ولا طاعونًا يفتك بالأجساد، بل كان وباءً ديمقراطيًا بامتياز، تسلل عبر مجرى مائي يُدعى «نهر الجنون». القاعدة كانت بسيطة: اشرب لتفقد عقلك، وتكسب ود جيرانك.

البداية: دواءٌ بنكهة الداء
بدأت المأساة بسوء تفاهم تاريخي؛ حيث اعتقد الرعية أن النهر الذي يمر بمدينتهم هو «تِّرْيَاقُ» للحكمة، بينما كان في الواقع كوكتيل من الهلاوس. وسرعان ما تحول المشهد إلى مفارقة مضحكة مبكية: كل من شرب من النهر، مسح ذاكرة المنطق لديه، وبدأ يتهم الصائمين عن الشرب بالخرف!

وهكذا، بمرور الوقت، تشكلت الأغلبية الساحقة من المخبولين، الذين قرروا -بمنتهى الإنسانية طبعًا- أن العقل هو مرض عضال يجب استئصاله من أولئك الذين ما زالوا يتمتعون ببرودة التفكير.

لم يبقَ في المملكة سوى معقلين للصمود: الملك وطبيبه. كانا يقفان على الشرفة، يشاهدان الشعب وهو يرقص على أنغام اللامنطق، ويحمدان الله على نعمة الوعي. لكن الوعي في مجتمع مُسطح هو زنزانة انفرادية.

نظر الشعب إلى الملك الرزين نظرة شفقة، فكيف لملكهم أن يظل هادئًا بينما الجميع يمارسون طقوس الجنون المقدس؟ بدأت المطالبات الشعبية، وارتفعت الهتافات: اشرب يا جلالة الملك.. نريد شفاءك!. والمفارقة هنا تكمن في قمة السخرية؛ فالأعمى يطالب المبصر بأن يفقأ عينيه ليرى جمال الظلام الذي يعيش فيه!

حينها، نطق الطبيب بالحكمة المرة: يا جلالة الملك، إن بقاءنا بوعينا هو انتحار اجتماعي. في عالم من المجانين، العاقل هو المجنون الوحيد، والحقيقة هي كذبة لم يصدقها الجميع بعد.

شلل الإرادة والرقص مع الذئاب
وقف الملك أمام النهر، ينظر إلى الماء الذي سيغتاله فكريًا ليحييه سياسيًا. أدرك أن البطولة الفردية أمام الطوفان الجماعي هي مجرد دراما لن يصفق لها أحد. انحنى الملك، شرب، ثم نهض ليصرخ معهم بغير هدى.. وفجأة، عم الفرح المملكة! لقد شُفي الملك أخيرًا!

إن قصة نهر الجنون ليست مجرد أسطورة، بل هي «مانيفستو» للواقع الذي نعيشه؛ حيث تضطر أحيانًا لارتداء قناع الحماقة لتعبر جسر الحياة بسلام. ففي صراع العقل الفردي ضد الجنون الجماعي، غالبًا ما يفوز المجانين.. لا لشيء، إلا لأن صوتهم أعلى، وعددهم أكبر، ونهرهم دائمًا «مجاني»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى