
للكاتب شريف عبد المجيد مجموعة قصصية متميزة بعنوان “جامع العملات القديمة”، تذكرتُ إحدى قصصها بعنوان “بث مباشر”، التي يستعرض فيها انتحار شاب شنقًا في بث مباشر على شبكات التواصل الاجتماعي نتيجة ضغوط الحياة، أو هكذا تبدو الأمور. ثم يتضح فيما بعد أن الشاب مصاب باكتئاب نفسي منذ سنوات، ويتناول علاجًا متخصصًا أهمله في أيامه الأخيرة، فوصل إلى ما وصل إليه.
تذكرتُ تلك القصة اليوم عندما طالعتني أخبار انتحار سيدة من مدينة الإسكندرية بإلقاء نفسها من شرفة منزلها في بث مباشر أيضًا. لم أستطع أن أشاهد الفيديو لصعوبة الموقف الإنساني، ولأنني أحاول أن أحافظ على بعض من الإنسانية والأحاسيس أيضًا. فكثرة مشاهدة تلك المواقف تميت القلب لا محالة.
في قصة “بث مباشر”، كما في حالة سيدة الإسكندرية، نجد تباينًا في ردود الأفعال والتفاعل مع الموقف، بين التعاطف والفزع والصدمة، وبين محاولة معرفة السبب أو الأسباب، ومن يحاول أن يحول الأمر إلى قضية أو قضايا مجتمعية عامة، مثل قهر الأنثى في حالة سيدة الإسكندرية، أو قهر أحلام الشباب في حالة أحمد، بطل القصة.
بالإضافة إلى من ينظر إلى الأمر من منظور يعتبره دينيًا غير قابل للنقاش أو التفاهم، وهو للأسف موقف غير مبرر وغير واضح، وفي جميع الأحوال نجد فيه الكثير من التأله على الله سبحانه وتعالى. البعض الآخر يحاول أن يتحدث عن المرض النفسي والعقلي، وكيف يتسلل إلى الضحية دون أن يشعر به أحد — حتى المريض نفسه في بعض الحالات — وهنا نجد الحديث عن الاحتياج إلى حملات توعية بالمرض وكيفية اكتشافه وعلاجه. وقبل هذا وبعده، ضرورة النظر إليه على أنه مرض مثل أي مرض آخر، كالإنفلونزا مثلًا، لا يجب أن نخجل منه.
هل رأيتَ، عزيزي القارئ، مريضًا يخجل من إصابته بالإنفلونزا، أو يخجل نتيجة اصطدام سيارته بحجر في عرض الطريق؟ أو يخجل من إصابته بالسكري أو بضغط الدم والكوليسترول؟ المرض النفسي يجب أن يكون كذلك، مرضًا مثل أي مرض.
عودة إلى البث المباشر، والذي قد يحمل نوايا “التريند” في أي فعل يقوم به الفرد، إلا في حالة الانتحار. فالأمر هنا يختلف. لا يريد هذا الشخص أن يتحول إلى تريند وإلى شخص مشهور بعد أن يموت، فهذا عبث؛ فلا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، ولا يفيدها تعطير جسمها بعد ذبحها أيضًا.
الأمر ببساطة عبارة عن صرخة يطلقها الشخص المكتئب الذي تخلص من حياته، صرخة ضد الظروف والأحداث والمواقف والأشخاص والإحباطات والأحلام غير المحققة، صرخة أمام جحيم الحياة الذي توقف عقله عن محاولة إيجاد أو تصور أي حل أو أي بارقة أمل أو باب للخروج إلا هذا الباب. رحم الله الجميع أحياءً وأمواتًا.




