كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| الصناعة الغائبة.. والفرصة المؤجلة

بقلم: شحاتة زكريا

في كل مرة يشتد فيها الضغط على الاقتصاد تعود الصناعة إلى الواجهة بوصفها الحل المؤجل والرهان الذي لم يحسم بعد. نتحدث عنها كثيرا نضعها في مقدمة الخطط ونرفعها كشعار في لحظات الأزمات ثم نتركها تتراجع أمام إغراءات أسرع ربحا وأقل مشقة. وبين هذا الحضور الخطابي والغياب العملي تضيع فرصة كان يمكن أن تكون حجر الزاوية في بناء اقتصاد أكثر صلابة واستقلالا ..

الاقتصاد الذي لا يستند إلى قاعدة صناعية قوية يظل اقتصادا هشا مهما بدا نشيطا في بعض مؤشراته. فالصناعة ليست مجرد مصانع وآلات بل منظومة متكاملة تبدأ من التعليم الفني وتمر بالبحث والتطوير وتنتهي بسوق قادر على الاستيعاب والتوسع. هي التي تخلق فرص العمل المستقرة وتقلل الاعتماد على الخارج وتمنح الدولة هامش حركة أوسع في مواجهة الصدمات. وحين تغيب الصناعة يصبح الاقتصاد أكثر تعرضا للتقلبات وأكثر ارتباطا بعوامل لا يملك السيطرة عليها في السياق المصري لم تكن مشكلة الصناعة يوما في نقص الوعي بأهميتها بل في تعقيد الطريق إليها.

سنوات طويلة انحاز فيها الاقتصاد عن قصد أو اضطرار إلى أنشطة أسرع دورانا لرأس المال وأقل مخاطرة لكنها أيضا أقل أثرًا في بناء قيمة مضافة حقيقية. توسعنا في الاستهلاك قبل أن نؤسس للإنتاج وراكمنا الطلب دون أن نمتلك القدرة الكافية على تلبيته محليا. والنتيجة معروفة: ضغط على العملة اتساع فجوة الاستيراد وفرص عمل محدودة لا توازي حجم الداخلين إلى سوق العمل اليوم ومع اشتداد الأزمات العالمية تتكشف كلفة هذا الاختيار المؤجل.

العالم لم يعد كما كان وسلاسل الإمداد التي بدت مستقرة لسنوات أصبحت مصدر قلق دائم. الدول التي لا تنتج ما تستهلكه أو جزءا معتبرا منه على الأقل تجد نفسها في موقع دفاعي تلاحق الأزمات بدل أن تستعد لها. في هذا المشهد لا تبدو الصناعة ترفا تنمويا بل ضرورة وجودية وخط دفاع أول عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي .. ومع ذلك فإن الحديث عن الصناعة لا يجب أن ينزلق إلى تبسيط مخل. فإعادة الاعتبار لهذا القطاع لا تتحقق بقرار واحد ولا بإطلاق مشروعات متفرقة معزولة عن سياقها. الصناعة تحتاج إلى بيئة حاضنة تشريعات مستقرة تمويل ميسر وبنية تحتية ذكية تتجاوز الطرق إلى الطاقة واللوجستيات وسلاسة الإجراءات. الأهم من ذلك كله رؤية واضحة تحدد ما الذي نريد إنتاجه ولماذا ولأي سوق وبأي ميزة تنافسية. من دون هذه الأسئلة تتحول المصانع إلى هياكل صامتة لا تصمد أمام المنافسة ولا تضيف للاقتصاد ما يكفي ..

العنصر البشري يظل الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الصناعة. لا يمكن الحديث عن نهضة صناعية حقيقية في ظل فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق. العامل الماهر والمهندس المدرب والفني القادر على التطوير هم رأس المال الحقيقي لأي مشروع صناعي ناجح. الاستثمار في الإنسان هنا ليس شعارا إنشائيا بل شرط بقاء. فالصناعة الحديثة لا تقوم على الأيدي العاملة وحدها بل على المعرفة والابتكار والقدرة على التطوير المستمر ..

في المقابل لا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية غياب الصناعة أو تأخرها. القطاع الخاص شريك أساسي ليس فقط برأس المال بل بالجرأة على الاستثمار طويل الأمد. الربح السريع قد يكون مغريا لكنه لا يبني اقتصادا قويا. الدول التي نجحت صناعيا لم تفعل ذلك لأنها تجنبت المخاطرة بل لأنها أدارتها بذكاء ووفرت مناخا يشجع على الإنتاج لا على المضاربة. الثقة بين الدولة والمستثمر والوضوح في السياسات عوامل لا تقل أهمية عن الحوافز المالية.

الصناعة الغائبة ليست مجرد ملف اقتصادي بل قضية سيادة وعدالة اجتماعية. حين تنتج الدولة تملك قرارها بدرجة أكبر وحين توفر فرص عمل مستقرة تقل حدة التفاوت الاجتماعي ويتحول النمو من أرقام في التقارير إلى واقع ملموس في حياة الناس. هنا فقط يشعر المواطن أن الاقتصاد يعمل من أجله لا أنه مجرد متفرج على سياسات لا تنعكس على يومه الفرصة المؤجلة لا تزال قائمة لكنها ليست مفتوحة إلى الأبد. الوقت عامل حاسم والعالم لا ينتظر من يتردد.

التحول إلى اقتصاد صناعي منتج يحتاج إلى صبر لكنه يحتاج أيضًا إلى حسم وإلى شجاعة في مراجعة الأولويات. ليست القضية في أن نعلن دعم الصناعة بل في أن نجعلها الخيار المنطقي والأكثر جدوى لكل من يفكر في الاستثمار ..

في النهاية الصناعة ليست وصفة سحرية لكنها الطريق الأكثر أمانا نحو اقتصاد قادر على الصمود. غيابها يتركنا أسرى لتقلبات الخارج وحضورها يمنحنا فرصة حقيقية لإعادة التوازن. بين صناعة غائبة وفرصة مؤجلة يقف المستقبل معلقا بقرار: إما أن ننتج فنملك أو نؤجل فنظل نبحث عن حلول لا تكتمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى