
هرولة وفوضى وصياح وهتافات والكل في حالة جزع بالغة، ضابط المباحث ووكيل النائب العام وكل أفراد الشرطة والنيابة في حالة تامة من الارتباك،
اختفت جثة المجني عليها بشكل غامض لا يُصدق، لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا حدث أو كيف حدث، تعاقبت وفود الأمن والتحقيق من كل المستويات والجميع يصلون وبعد أن يسمعوا ما حدث يقفون صامتون مبهوتون في حيرة وعدم تصديق، كيف تختفي جثة امرأة ناضجة من غرفة مغلقة في الطابق السادس!، الأمر أقرب لمزحة سخيفة في وقت عصيب غير قابل للمزاح، ضابط المباحث أقسم أن لا شخص غريب دخل أو خرج من شقة المجني عليها بعد معاينة النيابة، حتى أنه بنفسه قام بمحاولة إغلاق عينيها دون استجابة وفقط تلطخت يداه بدماء القتيلة، ورغم ذلك بعد قليل وجد عيناها مُغمضة وعلى وجهها شبح ابتسامة باهتة لم تكن ملحوظة من قبل، كل شيء تم أمام الجميع دون أن ينجح أحدهم في التفسير، وصل وكيل النيابة ومعه معاونيه وقاموا بمعاينة الجثة ومسرح الجريمة بدقة برفقة ووجود بعض أفراد الأمن وبعدها قاموا بتغطية الجثة وإغلاق باب الغرفة وجلسوا في صالة الشقة لسماع أقوال بعض الجيران وحارس البناية،
حكايات مختلفة شديدة الغرابة عن مواقف متناهية الوهن والقِصر، أحدهم قال أنه كثيرًا ما كان يسمع صوت موسيقى تتسرب من داخل شقة القتيلة، وآخر أقسم أنه استيقظ أكثر من مرة على صوت بكاء أطفال صغار صادر من الشقة رغم علم الجميع أن القتيلة لم تُنجب ولا يوجد بشقتها صغار،
لا أثر لشربات.. لا أثر على الإطلاق لبقع الدم التي كانت تغطي فراشها وبعض النقاط المتناثرة فوق الأرضية، أحدهم طعنها عدة طعنات متفرقة في جسدها وحمل وجهها ملامح فزع مرعبة بفم مفتوح وأعين جاحظة ويدها وفراشها ملطخان بالتوابل، حالة معادة لشخص شاهد قاتله وبلا شك حاول المقاومة.. ولكن بدا ذلك أنه تم دون جدوى،
وكيل النيابة استشهد بضابط المباحث ورجاله، وضابط المباحث استشهد بوكيل النيابة ومعاونيه، كلاهما يعتبر الآخر دليل عدم تقصيره وإثبات وجوده والقيام بعمله وأن لا دخل لهم على الإطلاق في اختفاء جثة المجني عليها،
انتشر الخبر في البناية والبنايات القريبة ثم تحول لعاصفة عاتية ضربت الحي بالكامل، توافد وصول رجال الصحافة والقنوات الإخبارية، ازدحم المكان أمام البناية حتى من أفراد لا صلة لهم بالأمر على الإطلاق سوى أنهم سمعوا بخبر اختفاء الجثة وأتى بهم فضولهم، المسؤولون في حالة يرثى لها من العجز وعدم القدرة على تفسير الحادث ولم يستطع أحدهم الإجابة على أبسط سؤال.. أين ذهبت جثة شربات؟
حراسة مشددة بعد تمشيط البناية بالكامل وبدأت كل الجهات في حل اللغز، شربات سيدة أربعينية عُرف عنها عزلتها ووحدتها منذ سنوات وقلة إختلاطها وندرة خروجها من شقتها، مطلقة لم تنجب وبعد مجهود كبير إستطاعوا الوصول لزوجها السابق، رجل بجسد ضئيل وشديد النحافة بأعين غائرة زائغة ولسان ثقيل يتلعثم في كل كلمة،
إنهالت عليه الأسئلة وكل إجاباته متشابهة منحصرة في كلمة واحدة غالبًا.. معرفش، رجل غريب ومن شدة غرابته، بدا وجهه جامد بلاستيكي لا روح فيه ولا تستطيع أبدًا النظر في عينيه وكأنهم مدربون على الهروب والمراوغة!
بعد أكثر من خمس ساعات أخبرهم وهو في حالة بالغة من الذعر والخوف من شيء ما، شربات مكانتش لوحدها.. شربات مكانتش لوحدها ياما قلتها تسيب الشقة وتيجي معايا بس كانت بترفض، دون أن يشرح أو يفسر من يقصده بالوجود معها وسبب رفضها مغادرة الشقة، ونطق بأكثر من عبارة توحي بأنهم لازالوا متزوجان ولم ينفصلوا، ثم يعود ويتحدث على أنها طليقته،
كادوا يقتلعوا أعين حارس العقار أثناء إستجوابه وهو مُصر على أن شربات لم يكن يزورها أحد على الإطلاق وأنها كانت تختفي في شقتها بالأيام دون أن تخرج منها أو يزورها أحد ولا تجيب على أي شخص يطرق بابها حتى أنه أغلب الوقت كان يختلط عليه الأمر ولا يعرف على وجه الدقة هل هي بداخل الشقة أم خارجها وأنها كثيرًا ما كانت تطلب منه شراء توابل متنوعة من محل العطارة بكميات كبيرة غير مبررة وأن رجل بملابس رجال الدين كان يتردد على شقتها بشكل متكرر قبل أن ينقطع ظهوره وانفصالها عن زوجها وعدم رؤيته مرة أخرى، حتى جيرانها أجمعوا على أنها كانت غريبة الأطوار وأحاطت نفسها بعزلة تامة وخصوصية مريبة حتى أنها لم تكن تهتم برد السلام وعبارات المجاملة في المرات القليلة النادرة التي كانت تلقاهم فيها، اتفاق كامل بينهم أنها كانت تبدو راغبة في تجنبهم باصرار بالغ وغير مفهوم،
دلف ضابط المباحث مكتب وكيل النيابة بشكل فجائي دون أدنى مراعاة للبروتوكول وهو متعرق بشدة ويلهث كمن جرى ألف متر دون توقف ووضع أمامه ورقة صغيرة مطوية ومتسخة، فتحها وكيل النيابة بريبة وتوتر وقرأ ما فيها وهو عاقدًا حاجبيه بشدة،
“ما تدورش عليا يا حضرة الظابط ولو عايز تعرف أن فين.. دور جواك”
الضابط أقسم أنه وضع يديه في جيوبه مئة مرة قبل أن يضعها مرة أخرى ويكتشف وجود الورقة أو الرسالة بغتة وكأن أحدهم وضعها بجيبه وهو فاقد للوعي، حاول وكيل النيابة تهدئته بعبارات خالية من المنطق وهو يُخفي توتره وبعد مغادرة الضابط، سقط بجسده فوق مقعده وأخرج من جيبه بأصابع مرتعشة ورقة مطابقة لورقة الضابط به عبارة أكثر اختصارًا.. “أنا مش هنا”.
الأمور تشابكت وتعقدت بسرعة فائقة والصحف أصبحت تتسابق في سرد قصص وسيناريوهات عبثية عن لغز إختفاء جثة شربات لدرجة جعلت الكثيرون من سكان العمارة يغادروها مذعورين خوفًا من القصص والإشاعات التي تُجزم بوجود شبح في البناية وراء إختفاء الجثة،
بلاغ من إحدى المستشفيات أفاد بوصول جثة سيدة مجهولة تحمل ملامح شربات بعد أن انتشرت صورها في الصحف، هرول الجميع خلف البلاغ ووقفوا في صدمة مزلزلة وهم يرون شربات أمامهم، ميتة ولكن بجسد خال من أي طعنات أو جروح وعلى نحو غير مفهوم تبدو أصغر سنًا وتصدر منها رائحة غريبة مجهولة للجميع، المسؤول الأكبر أمر بتغيير ضابط المباحث ووكيل النيابة بعد أن بدأ الشك يثاوره فيما حدث وادراكه بشكل كبير أنهم فقدوا سيطرتهم على مجريات التحقيق خصوصًا الضابط الذي بدأت تظهر عليه ملامح الشرود وانعدام التركيز،
تم معاينة الجثة بدقة متناهية قبل وضعها بإحدى ثلاجات المشرحة وتعيين حراسة ثابتة داخل وخارج المشرحة تمهيدًا لإعلان خبر العثور على الجثة المفقودة لتهدئة الرأي العام وسكان البناية والحي بالكامل، فقط يجب إحضار شخص مقرب منها للتوقيع على صحة وتطابق الجثة مع شربات ولعدم وجود أي أقارب لها معروفين تم طلب احضار زوجها السابق على وجه السرعة،
خلال ساعات قليلة وصل الرجل شديد النحافة زوج القتيلة السابق بوجه شاحب وملامح مضطربة، برفقة ضابط المباحث الجديد ووكيل النيابة الجديد والزوج النحيف، فور فتح باب الثلاجة تفاجأوا جميعًا بأن درج الثلاجة فارغ مما جعل حارس الدرج يتراجع بذعر ويصيح بانفعال بالغ.. لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله
الصدمة عقدت الألسنة وأطارت العقول ماعدا الرجل ذو الوجه الشاحب صاحب ردود الأفعال الثابتة طوال الوقت والذي اختفى فجأة وكأن الأمر برمته لا يشغله ولا يُعنيه، وكالعادة تسرب خبر ما حدث وازداد الوضع سوء وسط إرتفاع صوت الخائفين والمذعورين والمطالبين بسرعة حل القضية، بعدها خلت البناية تمامًا من كل السكان بعد أن غادروها مذعورين، حتى حارس العقار لم يقبل الإستمرار في حراسة عقار ساءت سمعته ووصم بأنه مسكون بالأشباح،
أفردت أغلب القنوات الساعات الطوال للحديث عن لغز الجثة المختفية وتنوع المحللون بين أطباء ورجال أمن سابقون ورجال دين وحتى بالدجالين المعتزلين، وفقط ثرثرة بلا إجابات وإفتراضات بلا يقين، ورغم غرابة التفسير إلا أن التفسير على لسان دجال معتزل، أن الجن والأشباح وراء ذلك، كان تفسيرًا له صدى وتصديق لدى الكثيرون، واستند في تفسيره أن شراء القتيلة للتوابل كان بالتأكيد لطرد الأرواح الشريرة والأشباح كما هو معروف في مفاهيم الدجالين،
تم عقد لجنة واسعة لتقصي الحقائق والبحث عن الجثة المفقودة وقرروا إعادة معاينة الشقة من جديد بشكل أكثر دقة وتمعن، لم يتركوا سنتيمترًا واحدًا دون تفتيش دقيق وعميق، ملابس متعددة متابينة بنفس المقاس ولكن مختلفة كليًا في شكلها وتصميمها وكأن جمعهم تم من أزمنة متعددة ومختلفة، أثناء البحث عثروا على رسالة مطوية في ورقة صغيرة الحجم داخل قميص متسخ في الحمام، رسالة مقتضبة مختصرة من جملة واحدة “وزعي التوابل في كل مكان”
حامت الشكوك مرة أخرى في الزوج النحيف وصدر قرار عاجل من النائب العام بسرعة ضبط واحضار المذكور وتفتيش مسكنه، توجه الجميع لشقة الزوج وبعد طرق الباب عدة مرات أمر الضابط بكسر الباب وفور دخولهم الشقة قابلتهم رائحة غريبة قبضت قلوبهم جميعًا قادمة من غرفة داخلية،
الغرفة مُغلقة بإحكام وتَطّلب فتحها كسر الباب ليروا أمامهم غرفة غير مرتبة أرضيتها ممتلئة بكميات كبيرة من التوابل المبعثرة في جميع الأركان، وصور لشربات وزوجها معلقة على الجدران متباينة بين صور حديثة ملونة وأخرى تبدو قديمة أبيض وأسود وجثتان متعفنتان متلاصقتان فوق الفراش، بعد التوثيق والتحقيق تبين أن الجثتان تعودان لشربات وزوجها النحيف وأكد الطب الشرعي أن الوفاة حدثت قبل عام كامل وقبل إختفاء جثة شربات بأحد عشر شهرًا كاملًا، لم يستطع أحد تفسير ما حدث أو حل لغز القضية ولكنهم إستطاعوا إعلان عثورهم على جثة القتيلة ليتفرغوا لأمر جديد أشد أهمية، حيث وصل بلاغ أن ضابط التحقيق الأول وجِد مقتولًا بطريقة بشعة داخل مسكنه وبيده صورة لشربات وهي تضحك ببهجة عارمة.





