
تصل النفس أحياناً إلى نقطة انطفاء تام، لا بسبب سقوط مفاجئ، بل نتيجة استنزاف بطيء أكل كل المساحات الخضراء في الداخل. هذا هو الاحتراق العاطفي؛ أن ينتهي المخزون تماماً، وتجد نفسك تقف على أرض قاحلة لا تقدر فيها على منح أية عاطفة، وكأن يدك التي كانت تسند الجميع قد أصابها الشلل.
المأساة الحقيقية تكمن في الجهد الخرافي الذي تبذله لإخفاء هذا الانهيار. أنت تتصنع الثبات، وتوزع أطراف الأحاديث والمجاملات الباردة في مجالس الأصدقاء والعائلة، لا رغبة في التواصل، بل كدفاع وقائي يمنع العيون من التدقيق في ذبول عينيك. خنق الصراخ الداخلي يتطلب طاقة هائلة، تجعلك تخرج من كل تجمع اجتماعي مهدود حيلك، وكأنك كنت تخوض معركة حربية بملابس مدنية.
هذا التناقض بين القشرة الخارجية والخراب الداخلي يلتهم الروح ويمحو نضارة الوجه؛ فيتحول حضورك إلى ظل باهت، وتصبح الملامح جامدة ترتسم عليها برودة قاسية لا تشبهك.
وعند الرجل، يكتسب هذا الاحتراق طابعاً كتمانياً مدبراً. يتضاعف وجعه لأنه يعيش في بيئة لا تعترف بضعف السند. فيلجأ إلى الاختباء خلف جدار الصمت الشديد، أو الانغماس القسري في ساعات عمل طويلة متواصلة ليخدر عقله عن التفكير. وحين يضيق صدره بالوجع المكتوم الذي لا يجد له مخرجاً، ينفجر في هيئة نوبات غضب غير مبررة على أبسط الأسباب، وهي في حقيقتها ليست إلا صرخات مجسدة لخوفه من الانكشاف والانهيار أمام من يعتمدون عليه.
أما عند المرأة، فالوجع يتسرب إلى أعمق تفاصيل حضورها. الشغف الذي كان يملأ بيتها وروحها ينطفئ فجأة ليحل محله انطواء حاد وصمت مباغت. يترجم جسدها هذا الإنهاك النفسي إلى ثقل حقيقي في الحركة، ورغبة قهريّة في النوم الطويل للهروب من الوعي. الأقسى من ذلك هو الجلد الذاتي الذي تعيشه، حين تجد نفسها متهمة بالبرود والجفاء من نفس الأشخاص الذين استنزفوا آخر قطرة حنان في قلبها، لتغرق في حسرة تسائل فيها نفسها عن الجريمة التي ارتكبتها.
التعافي من هذا القاع لا يتطلب منك خوض معارك جديدة، بل يتطلب الهدوء. يبدأ الأمر بالتوقف الفوري عن لعب دور المنقذ، وتقبّل أن طاقتك قد نفدت وأن هذا ليس ذنباً. يليه تعلم إشهار لا، في وجه أي استنزاف جديد دون الشعور بالحاجة لتقديم أعذار ومبررات طولها مئة متر. والأهم من كل ذلك، أن تتوقف عن محاولة تحسين صورتك لدى من يفسرون تعبك على أنه قسوة، وأن تبدأ في التوجيه الفوري لكل ما تبقى لديك من صبر وحنان إلى نفسك التي أهملتها طويلاً.
“أشد أنواع الفقر ليس نفاد المال، بل أن يستنزف الناس آخر قطرة حنان في قلبك، ثم يلومونك لأنك أصبحت جافاً.”



