
مع اقتراب نهاية كل عام، يعود الضغط ذاته في صور مختلفة، لكنه يحمل الرسالة نفسها: سنة جديدة تعني نسخة جديدة منكِ. كأن الزمن يفرض علينا إعادة تشكيل أنفسنا كل اثني عشر شهرًا، وكأن ما كنّاه لم يعد صالحًا للاستخدام، أو لم يعد كافيًا للعبور إلى العام التالي. فيتحول الانتقال الزمني البسيط إلى محاكمة مفتوحة، ويصبح الاستمرار اتهامًا ضمنيًا بعدم الطموح أو الفشل في التغيير.
هذه الفكرة، على شيوعها، تحمل قدرًا كبيرًا من القسوة المقنّعة. فهي لا تترك مساحة للاعتراف بأن بعض السنوات لا تُعاش بهدف القفز، بل بهدف البقاء. ولا تعترف بأن هناك أشخاصًا بذلوا جهدًا هائلًا فقط ليظلوا واقفين، أو ليواصلوا حياتهم بالحد الأدنى من التماسك. الاستمرار هنا ليس كسلًا ولا خوفًا من التطور، بل أحيانًا يكون أقصى ما يمكن فعله بصدق.
ليس كل عام محطة انطلاق. بعض الأعوام تكون محطات صيانة، وأخرى تكون محطات علاج، وأحيانًا تكون مجرد أماكن مؤقتة نلتقط فيها أنفاسنا قبل أن نكمل الطريق. التغيير ليس واجبًا زمنيًا، ولا يتحقق بقرار احتفالي يُتخذ في ليلة رأس السنة. التغيير الحقيقي بطيء، تراكمي، وغالبًا غير مرئي في بدايته، ولا يحتاج بالضرورة إلى نسخة جديدة من الإنسان، بل إلى نسخة أكثر صدقًا معه.
الضغط المتكرر على فكرة “الشخص الجديد” يتجاهل حقيقة أن الاستمرارية في ذاتها إنجاز. أن تحافظي على قيمك رغم الإحباط، أن تظلي إنسانًا رحيمًا رغم الخيبات، أن تواصلي المحاولة رغم التعب، كل ذلك أشكال ناضجة من النجاح لا تظهر في قوائم الأهداف ولا في منشورات المقارنة. لكنها تبني الإنسان من الداخل، حيث لا يرى الآخرون.
كما أن هذا الخطاب يتجاهل أثر الإرهاق النفسي والجسدي الذي يراكمه الناس عامًا بعد عام. فليس من العدل مطالبة شخص أنهكته الخسائر، أو أثقلته المسؤوليات، أو استنزفته الظروف، بأن يعيد اختراع نفسه فورًا، وكأن ما مر به لم يترك أثرًا. أحيانًا يكون الإنجاز الحقيقي هو أن نعترف بأننا تعبنا، وأن نمنح أنفسنا الإذن بالثبات بدلًا من الدفع القسري نحو التغيير.
السنة الجديدة لا تطلب منا أن نكون أشخاصًا آخرين، بل أن نكون أكثر وعيًا بما نحتاجه فعلًا. ربما نحتاج إلى التخفف لا الإضافة، إلى التهدئة لا التسارع، إلى الاستمرار فيما نجيده بدل مطاردة صور مثالية لا تشبهنا. ليس كل من لم يتغير تراجع، وليس كل من بقي كما هو فشل في النمو.
في نهاية الأمر، الزمن لا يقيس قيمتنا بمدى اختلافنا عن العام الماضي، بل بمدى قدرتنا على العيش بصدق، مهما كانت وتيرة التقدم بطيئة. وأحيانًا، أن تصلي إلى نهاية السنة وأنتِ ما زلتي هنا، تحاولي وتتعلمي وتخطئي وتنهضي، هو بحد ذاته شهادة قوة، لا تحتاج إلى نسخة جديدة منكِ لتثبتها.




