
بعد صدور الجزء الأول من الفيلم الأمريكي الأسطوري “الأب الروحي” في عام 1972، أجرى المذيع الأمريكي الشهير ديك كافيت لقاءً تلفزيونيًا مع النجم مارلون براندو عُرض في يونيو من عام 1973، واعتُبر هذا اللقاء انقلابًا هادئًا على منطق الشهرة نفسه. لم يأتِ مارلون براندو إلى برنامج ديك كافيت ليُسأل عن أدواره أو كواليس هوليوود، بل ليستخدم المنصة ضد المنصة، والشهرة ضد صُنّاعها.
جاء براندو إلى اللقاء بعد ثلاثة أشهر من رفضه استلام جائزة الأوسكار عن دوره في هذا الفيلم الكبير، وهذا الرفض، وإن كان يُعتبر فعلًا احتجاجيًا رمزيًا، إلا أنه كان وسيلة عملية لفتح نافذة أمام شعب حُرم طويلًا من الكلام ومن التعبير عن وجوده أو آلامه. فهو لم يتحدث نيابة عن السكان الأصليين، بل أصرّ أن يتكلموا بأنفسهم، كاشفًا كيف صنعت السينما والمدرسة معًا صورة مهينة للهندي الأحمر، صورة لا تسيء للتاريخ فقط، بل تُحطّم وعي الأطفال منذ الطفولة.
الأكثر صدمة لم يكن هجومه على هوليوود، بل نزعه لهالة القداسة عن التمثيل نفسه. فبراندو، من خلال ما قاله، بالرغم من أنها رؤية صادمة قد يختلف معها الكثيرون، قال ببساطة إن التمثيل ليس مهنة نبيلة، بل حرفة للبقاء، وإن البشر جميعًا يمثلون يوميًا ليحافظوا على وظائفهم وعلاقاتهم. هنا، لم يُسقِط قناع الممثل، بل أسقط الوهم عن المجتمع الأمريكي كله.
وعندما انتقل الحديث إلى الأرض وعن التعامل مع هؤلاء البشر، ظهر جوهر المأساة: معاهدات وُقعت ثم خُرقت، أراضٍ نُهبت باسم التنمية، وبيئة دُمّرت لصالح شركات لا ترى في الإنسان سوى عائق. في المقابل، عُرض نموذج بديل: تنمية نابعة من الداخل، تحترم الأرض وتخدم الإنسان، لا العكس.
كان نقد براندو للسياسة الأمريكية مباشرًا ومحرجًا: كيف لدولة تتحدث عن احترام المواثيق عالميًا أن تنقض كل عهودها مع سكانها الأصليين؟ وكيف لإعلام يلاحق التفاهة أن يدّعي تمثيل الحقيقة؟
في هذا اللقاء، كان براندو شاهد اتهام. ولم يكن الحوار عن الماضي فقط، بل عن سؤال مفتوح يظل قائمًا: متى تصبح الشهرة مسؤولية، لا امتيازًا؟ ومتى يتحول الصمت عن الظلم إلى مشاركة فيه؟
جاء رفض الجائزة في مشهد تابعه العالم كله من خلال ساشين ليتلفيزر، وهي ناشطة حقوق مدنية أمريكية من الهنود الحمر ورئيسة منظمة الحفاظ على تراث الهنود الحمر، والتي تعرضت إلى الكثير من المعاملة السيئة والتضييق، وهو ما عانى منه براندو أيضًا فيما بعد. ثم، بعد 50 عامًا، قدمت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، المشرفة على حفل توزيع جوائز الأوسكار، اعتذارًا رسميًا لساشين ليتلفيزر عما تعرضت له من إساءة وتمييز وهجوم خلال حفل توزيع الجائزة. ورحبت ليتلفيزر بالاعتذار، رغم تأخره، وقبلت الدعوة لتكون ضيفة شرف لأمسية مداواة جراح السكان الأصليين التي يستضيفها متحف الأكاديمية في 17 سبتمبر 2022، ثم توفيت بعد ذلك بأسبوعين.



