
الاقتصاد في لحظات التحول الكبرى لا يكون مجرد أرقام تتحرك صعودا أو هبوطا بل يصبح مرآة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها .. وحين تُعلن مؤشرات نمو إيجابية ويُتحدث عن تعاف تدريجي واستعادة للتوازن لا يكون السؤال الحقيقي: هل تحسن الاقتصاد؟
بل السؤال الأصدق: هل وصل هذا التحسن إلى الناس؟
النمو الاقتصادي في جوهره ليس حدثا محاسبيا بل تجربة معيشة .. قد تكبر الجداول وتتحسن المؤشرات الكلية وتبدو الصورة العامة أكثر انضباطا لكن المواطن لا يقرأ الاقتصاد في التقارير بل يقرأه في تفاصيل يومه في سعر السلعة وفي فاتورة الخدمة وفي المسافة بين دخله واحتياجاته.
وهنا تبدأ المفارقة: قد تنجح السياسات اقتصاديابينما يظل الإحساس العام عالقا في دائرة القلق.
المواطن لا يطلب من الاقتصاد أن يكون مثاليا ولا ينتظر قفزات خيالية لكنه ينتظر شيئا أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أن يشعر أن الجهد الذي يبذله لا يتبخر وأن الزمن لا يعمل ضده وأن التحسن — مهما كان بطيئا — يتحرك في الاتجاه الصحيح.
حين يُقال إن الاقتصاد ينمو فهذا يعني أن الدولة تنتج أكثر وتبيع أكثر وتتحرك في مساحة أوسع.
لكن هذا النمو قد يظل محصورا في قطاعات بعينها أو يتجسد في أرقام لا تمس القاعدة الأوسع من المجتمع.
وهنا تظهر الفجوة الأخطر: فجوة بين اقتصاد يتحسن على الورق وحياة تزداد تعقيدا على الأرض.
السنوات الأخيرة كانت قاسية على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
الغلاء لم يكن رقما عابرا بل ضغطا مستمرا أعاد ترتيب الأولويات وقلص الهامش وفرض نمط حياة أكثر حذرا وأقل أمانا .. ومع كل موجة تضخم لم يكن الخوف من ارتفاع الأسعار فقط بل من فقدان القدرة على التخطيط لأن الاستقرار حين يغيب يصبح المستقبل عبئا لا حلما.
عام 2026 يُقدم بوصفه عاما لالتقاط الأنفاس مرحلة يُفترض أن تبدأ فيها ثمار الإصلاح في الظهور ولو بشكل تدريجي .. تراجع محتمل في التضخم تحسن نسبي في بعض القطاعات الإنتاجية وعودة قدر من التوازن للأسواق.
لكن هذه المؤشرات — مهما كانت إيجابية — لا تعني تلقائيا تحسنا في مستوى المعيشة ما لم تترجم إلى دخول حقيقية تتجاوز ارتفاع الأسعار وإلى سياسات تُخفف الضغط بدل أن تعيد إنتاجه.
الاقتصاد لا يكافئ الصبر وحده بل يكافئ العدالة في التوزيع.
النمو الذي لا يصاحبه شعور عام بالإنصاف يتحول من إنجاز إلى سؤال.
والسياسات التي تراهن فقط على الزمن دون مراعاة قدرة الناس على التحمل تخاطر بتآكل الثقة وهي أخطر ما يمكن أن يخسره أي اقتصاد في مرحلة انتقالية.
المعضلة ليست في الإصلاح بل في كلفته الاجتماعية الممتدة.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بقدرته على تصحيح الاختلالات فقط بل بقدرته على الحفاظ على التماسك المجتمعي.
أن يشعر المواطن أن الدولة تراه لا بوصفه رقما في معادلة بل طرفا أصيلا فيها .. التحسن الحقيقي يبدأ حين يتوقف الدخل عن مطاردة الأسعار وحين تصبح الزيادة في الأجور ذات معنى لا مجرد تعديل شكلي.
حين يشعر العامل أن مجهوده يُترجم إلى أمان نسبي والموظف أن دخله لا يتآكل قبل أن يكتمل الشهر والأسرة أن التخطيط لم يعد مغامرة .. لا أحد ينكر تعقيد المشهد الاقتصادي عالميا ، ولا حجم الضغوط الخارجية ولا صعوبة الموازنة بين الاستقرار والإصلاح.
لكن إدراك هذه التحديات لا يُغني عن ضرورة أن يكون المواطن في قلب السياسات لا على هامشها.
فالاقتصاد الذي ينجح في احتواء الناس ينجح في احتواء الأزمات.
الثقة لا تُبنى بالتصريحات بل بالتجربة اليومية.
حين يرى الناس أن التحسن — مهما كان محدودا — مستمر وأن القرارات تُراعي أثرها الاجتماعي وأن الدولة لا تطلب الصبر دون أن تقدم أفقا واضحا يبدأ الإحساس بالتغير في التسلل ببطء لكنه بثبات.
في النهاية لا يُقاس نجاح أي اقتصاد بحجم ما حققه من أرقام بل بقدرته على أن يكون قابلا للعيش.
أن يشعر المواطن أن الاقتصاد الذي يُقال إنه ينمو… ينمو معه وأن الإصلاح الذي يدار باسمه… لا يمر فوق حياته بل عبرها.
فالاقتصاد لا يقاس بما ينمو فقط
بل بما يصل
وما لا يصل إلى الناس
يظل ناقصا… مهما بدا كاملا.




