كاتب ومقال

«فَلتهنأ باغترابك»

بقلم: سمر مرسي

عن المسافة الناجية وضريبة التميز..
لطالما ساد الاعتقاد بأن الغريب هو من فارق الديار، لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا -والأشد نبلًا- هي أن أقصى درجات الاغتراب تكمن في «عدم التجانس» مع المحيط ونحن في قلب الديار. من هنا انطلق «أبو حيان التوحيدي» ليشخص غربة الصفات، وآمن «نيتشه» بأن العبور للضفة الأخرى يتطلب حتمًا اغترابًا عن السائد. إننا نتحدث عن تلك «الهوية الهجينة» التي تتأرجح بين لغة لا يفهمها الآخرون وذاكرة لا تسعها القوالب الضيقة. هذا النص هو دعوة لاستكشاف الاغتراب كفعل تحرر، لا كحالة انكسار؛ فما هو إلا ضريبة التميز التي تجعل من روحك سيمفونية لا تُعزف في ضجيج الأسواق.

يقول التوحيدي: «يا هذا، الغريبُ مَنْ غَرُبَتْ صفاتُه، الغريبُ مَنْ ليس له نسيبٌ في نَسَبِه، ولا حظٌّ في حظِّه.. الغريب مَن هو في غربته غريب». هنا يشير التوحيدي إلى أن الغربة ليست مكانًا، بل هي حالة من «عدم التجانس» مع المحيط. وهي الفكرة ذاتها التي صاغها نيتشه بمنظور آخَر حين قال: «إنني أحب أولئك الذين لا يعرفون كيف يعيشون إلا وهم يغربون، لأنهم هم الذين يعبرون إلى الضفة الأخرى».

يرى نيتشه أن الاغتراب عن الأوساط العادية هو «جسر» نحو الذات الحقيقية؛ فهذه المقولة تخص الشخصيات التي تجد صعوبة في العيش دون أن تكون مختلفة أو في حالة هجرة «مجازية»، لأنهم بسبب هذا الغرق في الغربة والتجاوز، هم الوحيدون القادرون على الوصول إلى رؤية أبعد.

وعلى ضفاف الشعر، يقول محمود درويش: «أنا من هناك.. أنا من هنا.. لست هناك ولست هنا.. لي اسمَان يجتمعان ويفترقان.. وقد نسيت أيّ اللغتين أحلم بها». الاغتراب هنا ليس فقط عن أرض أو جغرافيا، بل عن الذات نفسها وهي تبحث عن مرآة صافية تعكس حقيقتها.

إن الهوية ليست قالبًا ثابتًا بل حالة تترنح بين المكان واللغة والذاكرة.
وهذا ما يناقشه علم الاجتماع المعاصر عن «الهوية الهجينة» وعن الذات التي تَحول باستمرار بين الداخل والخارج، حتى تختزل حياة كاملة في سؤال: «من أنا؟!». فهذه اللغة التي لا تُفهم هي استعارة للاغتراب الروحي وسط محيط لا يملك «الشفرة» المناسبة لفهم الفرد.

ليس الاغتراب دائمًا مسافة تُقطع بالأميال، أو تأشيرة تُختم على جواز سفر؛ بل إن أشد صور الاغتراب ضراوة هي تلك التي تنمو كعشبة برية في رصيف الذاكرة، حين تجد نفسك محاصرًا بمحيط لا يملك أدوات القياس المناسبة لروحك. هي تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك تتحدث لغة لا يفهمها من حولك، ليس لأن حروفك مبهمة، بل لأن أفقهم أضيق من أن يتسع لمعانيك. فإذا وجدت نفسك وحيدًا في زحامهم، غريبًا في ديارهم، فكف عن محاولات التفسير، وافتح ذراعيك لدهشة الانفصال؛ فلتهنأ باغترابك، ما هو إلا إعلان استقلال لروحك عن قطيع لا يعرف وجهته.

إن هذا النوع من الغربة هو ضريبة التميز الصامتة، فالمعدن النفيس لا يختلط بالتراب إلا ليرحل عنه ببريق أوضح. حين يسجنك المحيط في قوالب ضيقة، أو يمارس ضدك تهميشًا لأنه يجهل جوهرك، فهو في الحقيقة يمنحك أعظم هبات الوجود: «المسافة». تلك المسافة هي التي تتيح لك رؤية المشهد من علٍ، بعيدًا عن صخب المصالح الصغيرة والارتباطات الزائفة التي تستنزف جوهر الإنسان.

إن البقاء في أماكن لا تعرف قيمتك هو انتحار بطيء للإبداع، أما الاعتراف بالاغتراب فهو أولى خطوات الانبعاث. أنت لا تنتمي لهذا الضجيج لأنك تحمل في داخلك سكونًا أعمق، ولا تتناغم مع تلك الأوساط لأن أوتارك مشدودة إلى سماء أبعد. إنه اغتراب النبلاء الذين رفضوا مقايضة أصالتهم بقبول اجتماعي رخيص، واختاروا أن يكونوا غرباء على أن يكونوا مسخًا يشبه الجميع ولا يشبه نفسه.

الاغتراب كفعل استقلال

لذا، لا تبتئس لقلة العارفين بقدرك، فهناك سيمفونيات عظيمة لا تُعزف في الأسواق، ودرر تُعرض في حوانيت الخردة. استثمر في هذا الاغتراب لتشييد مدينتك الفاضلة في داخلك، واجعل من وحشتك خلوة للمراجعة والبناء. ففي نهاية المطاف، لن يسألك الوجود عن مدى رضا الناس عنك، بل سيسألك عما فعلته بذاك الضوء الذي أودعه فيك وأطفأه الآخرون بجهلهم. كن الغريب الذي يمر بصمت، يترك أثرًا لا يمحى، ويرحل بكرامة من لم ينحنِ لتسعه الأبواب الضيقة.
فَلتهنأ بإغترابك، فهو الدليل القاطع على أنك لم تضع في الزحام، وأنك رغم كل شيء، ما زلت أنت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى