أنا لستُ بخير

هناك لحظة فارقة لا يعلمها أحد، تضع فيها يدك على صدرك لتحس بدقات قلبك، فتجدها متسارعة وخائفة، رغم أنك تجلس في غرفة هادئة تماماً ولا يدور حولك أي شجار. هذه هي اللحظة التي يصرخ فيها جسدك نيابة عن روحك التي صمتت طويلاً.
الصدمات المتلاحقة لا تأتي كإعصار يدمر كل شيء في لحظة، بل تأتي كقطرات ماء تسقط على نفس المكان من رأسك كل يوم، حتى تنفلق الصخرة. تبدأ القصة حين تقرر أن تكون أنت “الجدار” الذي يستند عليه الجميع. تمر الصدمة الأولى، فتسحق وجعك وتبتسم. تمر الثانية، فتقول: “أنا أقوى من هذا”. ثم الثالثة والرابعة… وتعتاد. تظن أن هذا هو الصبر والجلد الذي تُكافأ عليه، لكنك في الحقيقة كنت تراكم الخراب تحت السطح فقط.
وفجأة، وبدون مقدمات درامية، يتهاوى كل شيء. لا تسقط أرضاً، بل تظل واقفاً تتحرك وتعمل وتتكلم، لكنك من الداخل أصبحت أجوف تماماً. أصعب ما في الأمر ليس الألم نفسه، بل أن تصاب في قلبك، في حسن ظنك بالناس، في أمانك، ثم يُطلب منك أن تظل هادئاً.
تتألم في صمت لأنك تعلم أن الشكوى لن تغير شيئاً، ولأنك تعودت أن تكون أنت المعزي لا المُعزى. وهنا تقع في فخ العزلة المزدوجة: تحبهم وتبتعد لأنك لم تعد تملك طاقة للحضور، فيفسرون غيابك بأنه جفاء وتخلٍ. تصرخ في سرك: “أنا لم أتخلَّ، أنا فقط أنزف!”، لكن أحداً لا يسمع الصراخ الصامت. تكتشف بمرارة أن تضحياتك الطويلة أصبحت واهية في نظرهم، وأن كل ما قدمته تبخر بمجرد أن تعبت يدك عن العطاء. ينظرون إليك كقاسٍ، بينما أنت تتقطع من الداخل لأنك الأقرب والأكثر حرصاً، لكن لا أحد على الإطلاق يعيش الثقل الذي تحمله في صدرك في هذه اللحظة.
ما الذي يحدث داخل الرجل في هذه العاصفة؟
الرجل عندما يتألم بعمق، يُسلب منه حق العجز. المجتمع لا يرحم الرجل الضعيف، ولذلك تجد ألمه يرتدي أقنعة غريبة. لا يبكي، بل ينطوي. يتوقف عن الكلام كلياً، أو يغرق في العمل لعدة ساعات متواصلة لكي لا يترك لترددات عقله فرصة للعمل. تشعر وكأن هناك بلاطة خرسانية تستقر على قفصه الصدري، يحاول أن يتنفس فيخرج الهواء ضيقاً ومكتوماً. يثور على أسباب واهية، لا لأنه غاضب، بل لأن قلبه يفيض بالوجع ولا يجد منفذاً. يرتدي قسوة ظاهرة كدرع أخير يحمي به ملامحه المكسورة من أن يراها أحد.
والمرأة عندما تصاب في أعمق نقطة في قلبها..
ينطفئ نورها الخارجي. ليست تلك العصيبة التي تطالب بحقوقها، بل تلك التي سكتت فجأة. تشعر بألم فيزيولوجي حقيقي؛ ثقل في يدَيها، برودة في أطرافها، ورغبة عارمة في النوم لمجرد الهروب من وعيها. كانت تضحي بشغف، وحين وُجهت بتهمة القسوة أو التخلي لمجرد أنها تعبت، شعرت وأن السجاد يُسحب من تحت قدميها. تعيش تمزقاً بين عاطفة جياشة تجذبها ونفس مكسورة تدفعها للابتعاد، فتسقط في فخ المراقبة الصامتة والجلد الذاتي، متسائلة: “أين أخطأت حتى أصبح الجاني وأنا الضحية؟”
ولتخطى هذا الوجع لا يأتي من محاولة تحسين صورتك في أعينهم، ولا بإقناعهم أنك تتألم. المداواة تبدأ حين تتوقف عن وضع صدرك درعاً لحماية الآخرين بينما تصيبك السهام أنت.
وعليك أن تدرك، أن صمودك حتى نقطة الانكسار لم يكن بطولة، بل كان إجحافاً في حق نفسك. أن تكون لست بخير فهذا حقك الإنساني الكامل. اخلع عباءة “الشخص القوي دائماً”، واسمح لدموعك أو حزنك أو تعبك أن يخرج. ضع حديداً بين طاقتك وبين استنزاف الآخرين لك. من لا يستشعر وجودك وأنت تنزف، لن يستشعر قيمتك وأنت تحترق، فلا تبدد ما بقى من روحك في محاولة إثبات نبل تضحياتك. أعد توجيه هذا الحنان وهذا الصبر الذي منحته للعالم… لقلبك أنت، فهو الوحيد الذي يستحق أن ترممه الآن.
“أصعب المعارك هي تلك التي تخوضها بين رأسك وقلبك، حين تحاول أن تشرح لروحك المجهدة أن صمتك لم يكن جفاءً، بل كان الوسيلة الوحيدة كي لا تنهار أمامهم.”




