كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| جيل لا يشبه ما قبله

بقلم: شحاتة زكريا

لم تعد الفجوة بين الأجيال مجرد خلاف تقليدي حول طريقة اللبس أو نوع الموسيقى كما اعتدنا في السابق بل تحولت إلى صراع صامت حول تعريف الحياة نفسها. يكفي أن تراقب جلسة عائلية واحدة لتدرك حجم المأزق أب يرى الجلوس الطويل أمام شاشة الهاتف قمة التراخي وإهدار الوقت وشاب يرى أن هذه الشاشة بالذات هي نافذته الوحيدة على سوق عمل يزداد شراسة كل يوم.

الطرفان يقفان في المكان نفسه لكن كل منهما ينظر إلى عالم مختلف تماما هذا الحوار الصامت غير المعلن هو ملخص الأزمة اليومية بين جيلين. ليست المشكلة في اختلاف الأعمار فهذا قانون طبيعي ومألوف منذ بدء الخليقة بل المشكلة في أن الإيقاع الذي يتغير به العالم حاليا لم يعد يسمح بأي مساحة للتفاهم الهادئ الفجوة اتسعت لدرجة أن الطرفين باتا يتحدثان لغتين مختلفتين تماما وكأن أحدهما قادم من عصر الورقة والقلم والخطط الطويلة والآخر يعيش في زمن اللحظة الخاطفة والنتائج اللحظية ولكي نفهم أين تقع الأزمة تحديدا يجب أن ننظر بإنصاف إلى الخريطة التي تحرك بموجبها جيل الآباء.

كان جيل السبعينيات والثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات يملك مسارا واضح المعالم إلى حد كبير حتى وإن كانت تفاصيله مرهقة وصعبة. كان الشاب يعرف أن التفوق في الثانوية يقوده إلى كلية معينة والتخرج يضمن له وظيفة حكومية أو فرصة في قطاع خاص مستقر ومن ثم يبدأ في تجهيز شقته عبر جمعية أو قرض صغير ثم يتزوج ويؤسس أسرة.

كانت هناك خطوات واضحة ومرئية: واحد، اثنان، ثلاثة. كان بإمكان المرء أن يضع خطة لخمس سنوات أو عشر سنوات مقبلة وهو مطمئن إلى أن القواعد لن تنقلب فجأة في منتصف الطريق اليوم يدخل الشاب الجامعة وهو يعلم سلفا أن تخصصه قد لا يكون مطلوبا في سوق العمل بعد تخرجه بأربع سنوات.

العالم أصبح يطلب مهارات مركبة ومتقلبة لا تدرس في قاعات المحاضرات وسوق العمل صار ساحة مفتوحة بلا أسوار فالشاب الجالس في غرفته لم يعد ينافس زميله في المدرج فقط بل يجد نفسه في منافسة مباشرة مع مبرمج في الهند ومصمم في أوروبا ومترجم في أمريكا اللاتينية.

تخرج الشاب ليجد أن الشهادة الجامعية التي دفع فيها سنوات من عمره تحولت إلى شرط شكلي في السيرة الذاتية، بينما البقاء الحقيقي لمن يتعلم بنفسه كل يوم أداة جديدة أو برنامجا مستحدثا هذا التقلب السريع خلق حالة من انعدام اليقين لم يعشها جيل الآباء بهذه القسوة. الأسعار تقفز بمعدلات تفوق قدرة أي راتب كلاسيكي ومسألة تأسيس بيت أو شراء سيارة لم تعد مجرد حلم يحتاج لبعض التوفير بل تحولت إلى عبء يضغط على أعصاب الشباب ليل نهار. ومع ذلك لا يزال البعض يطالبهم بأن يعيشوا بالصبر ذاته الذي عاش به السابقون متناسين أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية اختلفت جذريا وأن ما كان ينجح بالأمس لم يعد صالحا لتكراره بحذافيره اليوم لكن المأزق الأكبر الذي يعيشه هذا الجيل لا يرتبط بالمال والوظيفة وحدهما بل يكمن في ذلك الصندوق الزجاجي الصغير الذي لا يفارق أيديهم عاش الآباء في بيئات مغلقة نسبيا وكان أقصى ما يقارن به الشاب نفسه هو ابن عمه أو جاره في الشارع أو زميله في المدرسة وكانت الفروق محدودة ومعروفة.

أما اليوم فالشاب يفتح منصات التواصل الاجتماعي منذ اللحظة الأولى لاستيقاظه لتهجم عليه صور نجاحات معلبة لا تتوقف: شاب في سنه يؤسس شركة تقنية ويحقق أرباحا طائلة، وآخر يسافر كل شهرين، وثالث اشترى شقته الخاصة وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين.. لا أحد يوضح له أن تسعين بالمئة مما ينشر هو واجهات منتقاة ومعدلة بعناية وأن الإخفاقات والديون والانهيارات النفسية تخفى خلف الفلاتر والابتسامات.

النتيجة المباشرة لهذه المقارنة المستمرة هي شعور مزمن ودامي بالعجز يشعر الشاب أنه متأخر دائما عن الركب وأنه مهما اجتهد ودرس وبذل من جهد فإنه ما زال واقفا في مكانه مما يولد قلقا مستمرا واحتراقا نفسيا مبكرا لم تكن الأجيال السابقة تعرفه بهذه الحدةوفي المقابل هل يعني هذا أن هذا الجيل معصوم من النقد أو أن تصرفاته كلها مبررة بالظروف؟ بالتأكيد لا.هناك عيب جوهري يهدد هذا الجيل وهو أن سرعة الإنترنت أفسدت علاقته بالزمن.

تعود الشاب أن يطلب وجبته لتصله في نصف ساعة وأن يبحث عن أي معلومة لتظهر له في ثانية واحدة وأن يحصل على رد فوري على كل رسالة يرسلها. هذه السرعة التكنولوجية جعلته يتوهم بغير وعي أن مسارات الحياة الحقيقية يجب أن تسير بالإيقاع ذاته. ينسى أن الخبرة المهنية والنضج الإنساني وبناء المكانة الاجتماعية هي أمور لا يمكن تحميلها عبر رابط سريع ولا يمكن اختصارها بضغطة زر كثير من الشباب اليوم يستعجلون الثمار قبل أن تكتمل الشجرة تجدهم يتركون وظائف جيدة بعد شهرين أو ثلاثة لمجرد أن الترقية تأخرت أو يصابون بالإحباط الشديد إذا لم يحقق مشروعهم الصغير أرباحا ضخمة في سنته الأولى. ينقصهم الصبر على التفاصيل الروتينية والمملة التي تشكل العمود الفقري لأي عمل حقيقي ويخلطون أحيانا بين البحث عن الشغف وبين التهرب من مشقة البدايات.

ومع كل هذه العيوب يبقى هذا الجيل يملك ميزة لافتة لم تكن متوفرة للأجيال السابقة: الجرأة على المساءلة. هذا جيل لا يقبل الأوامر الجاهزة لمجرد أنها صدرت من شخص أكبر سنا أو أعلى مقاما. يسأل لماذا؟ ويبحث وراء المعلومة ولا يقبل فكرة التضحية بحياته وراحته النفسية في وظيفة مهينة لمجرد الاعتياد أو الستر التقليدي. لديه وعي بحقوقه الشخصية ومساحته النفسية ويريد أن يفهم المغزى من كل خطوة يخطوها في حياته وهي ميزة حقيقية إذا ما تم توجيهها بعقلانية ومعرفة..

المطلوب اليوم ليس الاستمرار في تبادل الاتهامات فالكبار لن يفيدهم في شيء تكرار نغمة جيل فاشل ومدلل والشباب لن يربحوا شيئا من ترديد عبارة أنتم لا تفهمون شيئا عن عصرنا. ما نحتاجه بالفعل هو مساحة اعتراف واعية بين الطرفين: يحتاج الأب أن يستمع لابنه دون أن يفرض عليه نسخه القديمة ويفهم أن الهاتف في يده ليس مجرد تسلية بل هو بوابته للعالم وسوقه وقلقه.

وفي المقابل يحتاج الابن أن يدرك أن تجارب الكبار لم تكن عبثا وأن ما يملكه الآباء من حكمة وصبر وقدرة على التحمل في الأوقات الصعبة هو صمام الأمان الوحيد الذي يمنعه من التخبط في هذا العالم السريع هذا الجيل ليس أفضل ممن سبقه وليس أسوأ منهم هو ببساطة جيل يقف على خط تماس حرج بين عالمين: عالم قديم تلاشت قواعده وعالم جديد لم تستقر ملامحه بعد. ومهمتنا جميعا ليست محاكمته بل مساعدته على أن يعبر هذه الفوضى دون أن يفقد عقله أو هويته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى