كاتب ومقال

حكاياتٌ من رَحمِ الأثير

بقلم: سمر مرسي

ضيف عزيز في صالون البيت..
في ركن هادئ من بيوتنا المصرية، يتربع ذلك الصندوق الخشبي الصغير، بضوئه البرتقالي الخافت الذي يبعث الدفء في الأركان. لم يكن «الراديو» مجرد آلة صماء، بل كان رفيقًا ننتظر طلته مع فنجان قهوة الصباح أو في سكون المساء.

هو الجهاز الوحيد الذي لم يطلب منا أن «ننظر» إليه، بل طلب منا ما هو أعمق: أن «نحلم» معه. لقد علمنا هؤلاء الرواد خلف الميكروفون أن الأذن قد تعشق قبل العين أحيانًا، وأن الوجوه الحقيقية ليست ملامح مرسومة، بل هي نبرات صوتية تبني في خيالنا قصورًا من نور.

هندسة الخيال وسحر النبرة

كانت تلك الأصوات التي تنساب عبر الأثير لم تكن مجرد ذبذبات عابرة، بل كانت «معمارًا» وجدانيًا شُيدت لبناته من سحر البيان وعذوبة الأداء.

ففي غياب الصورة، تحول المستمع من مجرد مشاهد متلقٍ إلى شريك في الإبداع؛ إذ كان المذيع يمنحنا طرف الخيط بنبرة صوته، فنقوم نحن بتلوين المشهد في عقولنا، ورسم ملامح الشخصيات، وتأثيث الغرف التي تدور فيها الأحداث. كانت تلك اللحظات تمثل «خلوة شعورية» نادرة، نهرب فيها من ضجيج الواقع إلى رحابة التخيّل، حيث تكتسب الكلمة وزنًا، ويصبح للصمت معنى، وتتحول الهمسة خلف الميكروفون إلى حكاية كاملة تسكن زوايا الذاكرة.

لقد نجح هؤلاء الرواد في تجسيد المشاعر بالصوت وحده؛ فكانت نبراتهم تمتلك قدرة فائقة على رسم تفاصيل «البيوت السعيدة» أو «الرحلات البعيدة» بأدق مما تفعله السينما. لم يكونوا بحاجة لألوان صناعية أو خدع بصرية، بل كانت مخارج حروفهم الفخمة وهدوء نبراتهم كفيلة بخلق عوالم موازية نجد فيها أنفسنا.

إن سر ارتباطنا العميق بتلك الحقبة يكمن في «الحميمية» التي خلقتها الكلمة المنطوقة؛ فقد كنا نحيا مع تلك الأصوات أمتع أوقاتنا، ليس لأنها كانت تسلينا فحسب، بل لأنها كانت تحترم ذكاء خيالنا، وتجعل من الصمت فضاء نكمله بمشاعرنا الخاصة.

حنين إلى «وشوشة» الأثير

واليوم، ونحن نغرق في طوفان الصور المتلاحقة والشاشات التي لا تنام، نشعر بغربة موحشة تجاه ذلك الهدوء المسموع. لقد افتقدنا طقوس الاستماع المهيب؛ حين كان البيتُ يهدأ، والأنفاسُ تسكن، ليتسيد الصوت المدى.

نفتقد ذلك الشجن الجميل في وشوشة المذياع قبل ضبط المؤشر، وتلك اللهفة ونحن ننتظر طلّة نبرة مألوفة نعرفها كما نعرف ملامح أحبابنا. لقد غاب ذلك الزمن الذي كان فيه للصوت هيبة، وللكلمة حرمة، وللوقت سكونٌ لا يقطعه إلا رنين أثير نقي.

نحن لا نفتقد مجرد جهاز، بل نفتقد القدرة على الانصات بعمق، بعد أن سلبتنا الصورة سطوة الخيال، فبات كل شيء مجسداً، مكشوفاً، وباهتاً بلا أسرار. إننا نحتاج اليوم إلى الاستماع من جديد؛ لنستعيد تلك القدرة المفقودة على التحليق في آفاق لم ترسمها ريشة، بل خطتها نبرة صوت كانت تعرف طريقها إلى القلب دون استئذان.
لقد غابت تلك الوجوه التي نراها بآذاننا، وتركت لنا ضوضاء لا تمنحنا ربع ما كان يمنحه لنا صمت المذيع المبدع قبل أن ينطق بكلمة واحدة «سيداتي وسادتي»

إن هؤلاء العمالقة أثبتوا أن «الصورة» قد تحكم الخيال وتحدده، أما «الكلمة المنطوقة» فهي تطلقه في فضاء لا نهائي. لقد رأينا بآذاننا ملامح كبريائهم، وحنان قلوبهم، وهيبة حضورهم، وتعلمنا أن النبرة الرصينة تمنح الأمان، والكلمة المنطوقة بعناية تهذب الروح. وستظل تلك الأصوات محفورة في وجداننا، تذكرنا دائمًا بأن الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا نغمض أعيننا.. لنرى بوضوح أكبر، وأن الوجوه التي رسمتها آذاننا في مخيلاتنا ستظل دائمًا أبهى وأصدق من أي صورة قد تلتقطها العين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى