الضعف الذي يحررك

أحيانًا يتوهّم المرء أن عليه أن يبدو قويًّا دائمًا،
أن يُمسك نفسه عن الانهيار، ويُخفي وجعه بابتسامة ثابتة،
كأنه مُلزم أن يثبت للعالم أنه قادر على الاحتمال مهما اشتدّ عليه الألم.
لكن التظاهر بالقوة ليس ضعفًا،
بل هو بقايا شجاعة قررت أن تُكمل الطريق رغم التعب.
غير أن المأساة تبدأ حين يضغط الإنسان على نفسه وهو يدرك أنه لم يعد قادرًا،
حين يُنكر صوته الداخلي الذي يرجوه أن يتوقف قليلًا،
حين يختار أن يقسو على نفسه كي لا يُقال إنه انهزم.
في تلك اللحظة، لا يكون قويًّا… بل يقتل قدرته على التحمل ببطء،
ويخون نفسه دون أن يشعر.
من قال إنك يجب ألا تنهار وقت ضعفك؟
من قال إن الدموع عيب، أو إن التعب لا يُقال؟
من الذي أقنعك أنك خُلقت لتبدو قويًا حتى وأنت تنكسر؟
لم يقل أحد ذلك،
لكننا صدّقنا أن الصمت بطولة، وأن البكاء هزيمة،
حتى أصبحنا نخاف أن نكون بشراً.
المرأة حين تخاف، تُخفي ارتجافها بابتسامة مطمئنة،
تبتلع دمعتها لتبدو متماسكة،
لا لأنها لا تتألم،
بل لأنها تخشى أن يُساء فهم وجعها،
أن تُتَّهم بالضعف أو المبالغة،
فتختار الصمت وهي تتآكل بصمت أشد وجعًا.
والرجل حين ينهك،
يكتم أنينه في صدره،
يقنع نفسه أن الرجولة صبر بلا صوت،
وأن التعب لا يُحكى.
لكن الذي لا يُقال، لا يختفي… بل يتضخّم داخله حتى ينهار بلا إنذار.
القوة الحقيقية ليست في التحمل إلى آخر نفس،
بل في أن تعرف متى تتوقف،
ومتى تعترف أنك لم تعد بخير.
أن تسمح لقلبك أن يرتاح،
أن تبكي دون خوف،
وأن تتحدث عن وجعك كما تتحدث عن أحلامك.
لا تُجبر نفسك على الصمود في كل لحظة،
فالراحة ليست ضعفًا،
إنما هي صلح صادق مع ذاتك المنهكة.
الضعف لا يُهينك،
الذي يهينك هو أن تتجاهل نفسك باسم القوة،
أن تُجبر قلبك على الصبر وهو يطلب منك أن تهدأ.
وأصدق ما يُقال في النهاية:
القوة الحقيقية أن تعترف بضعفك،
وألا تخون نفسك في لحظات انكسارك.
بقلم:
د. محمود محمد علام




