مِراية الحُبِّ العَميا

في لحظة ما، وكأن في مفتاحاً ينطفئ داخل عقولنا، نتوقف فجأة عن رؤية من نحب بحقيقتهم المجردة، ونبدأ في رؤيتهم بقلوبنا فقط. تلك هي “مرآة الحب العمياء”، لكنها في عمقها ليست مجرد غشاوة عابرة أو عدم معرفة بالحقيقة، بل هي حالة من “التعامي الاختياري”؛ أن ترى العيوب والشواهد أمامك رأي العين، ثم تختار بكامل رضاك ورغبتك أن تغض الطرف عنها، وكأنك اتفقت مع نفسك إن الحب أهم بكتير من المنطق البارد.
في هذا المستوى من الاندفاع العاطفي، تتغير موازين التقييم بشكل مدهش. التصرف أو الطبع المزعج الذي لو صدر من صديق مقرب أو شخص تربطك به أقوى الأواصر، لقابلته بالرفض القاطع وربما أدّى إلى قطيعة، هو نفسه حين يصدر من هذا الشخص بالذات ينقلب إلى شأن آخر تماماً! تتقبله بابتسامة متسامحة، ويبدأ عقلك الباطن في نسج المبررات، فتتحول النقيصة في عينك إلى مجرد ظرف طارئ، أو طبع عابر، بل وربما رأيت في تلك الهفوة لفتة تزيد من جاذبيته وتجعله أقرب لقلبك!
لكن، ما الذي يضطر إنساناً متزناً لأن يضع نفسه في هذا العبء المُجهد؟ وما الذي يدفعنا لتحمّل ما كنا نعتبره خطاً أحمر لا يمكن التغاضي عنه؟
السر يكمن في ذلك الصراع الصامت بين “الخوف من الفقد” و”البحث عن الأمان”. حين يصل التعلق إلى أقصى مداه، يصبح الفراغ الذي سيتركه غياب هذا الشخص كابوساً يهدد استقرارك الداخلي. تجد نفسك أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تحاكم الآخر بعقلك البارد فتخسر وجوده، أو أن تُخدر صوت النقد في أعماقك وتتقبل المزعج والمرفوض حمايةً للمساحة الدافئة التي بنيتها بجواره. تختار الاحتمال والتنازل الضمني، لأن مرارة الصبر على العيب أهون بكثير من مرارة الوحشة والغياب.
والأكثر إدهاشاً في هذه الحالة، هو هشاشة هذا الضيق المتراكم وسرعة تبدده أمام أقل موقف! قد تظل لأيام تحمل في صدرك مرارة التغاضي وثقل الاحتمال، لكن ما إن تتلقى موقفاً رومانسياً خاطفاً، أو نظرة دافئة، أو كلمة حنونة صادقة طالعة من القلب، حتى تذوب تلك الجبال في لحظة واحدة. يُلغى سجل الأخطاء، ويُصفر العداد تماماً وكأن شيئاً لم يكن، وتعود المرآة لتمارس عماها الرقيق بكامل الرضا والقبول.
وهذا الامتصاص المستمر للمزعج يترك أثراً عميقاً يتشكل حسب طبيعة كل طرف..
فنجد الرجل..
بطبعه يميل إلى وضع حدود وقواعد حازمة في تعاملاته مع العالم الخارجي، ويرفض من يمس كبرياءه أو يضغط على أعصابه. لكنه حين يقع في سحر هذه المرآة، يلقي بأسلحته جانباً أمام أنثاه ويتحول إلى “التعامي الاحتوائي”. يرى طباعها الصعبة، ويشعر بالضيق من تقلباتها المزاجية أو انفعالاتها الحادة، لكنه يغلف ذلك كله برغبة عارمة في الحماية والتغاضي. يتساهل في حقوقه، ويتنازل عن شروطه التي يطبقها على الدنيا كلها، فقط كي يرى ابتسامتها، مؤثراً تحمل مشاكساتها ومواقفها المزعجة على أن يستيقظ يوماً ليجد حياته وبيته خاليين من هذا الحضور الذي يستمد منه دفئه
أما المرأة..
فيتجلى هذا التعامي لديها في صورة “فيض عاطفي وغفران ممتد ضد المنطق”. المرأة كائن يترجم الحب إلى اهتمام دقيق وتفاصيل، وحين تحب بهذا التعلق، فإنها تخوض حرباً شرسة ضد منطقها الخاص كي تبقى صورة حبيبها ناصعة. تترجم قسوته أو جفافه على أنها “ضغط عمل أو ظروف قاسية يمر بها”، وتُعيد تفسير إهماله على أنه استغراق في المسؤوليات. تمنحه الفرصة تلو الأخرى، وتخلق له الأعذار وتصدقها، وتكتفي بأقل القليل من الدفء والاهتمام لتغفر له جبالاً من الأخطاء والتراجع، مبتعدة بعينها عن النقص كي تظل ترى الشخص الذي اختاره قلبها أول مرة.
إنه وضع ينطوي على قدر هائل من التضحية والصبر، نسير فيه خلف مشاعرنا بلا شروط، رافضين كل الحسابات الباردة، فقط لأننا ندرك أن مرارة التغاضي عن العيوب تظل أرحم ألف مرة من مرارة الغياب.
أعظم سحر يخلقه الحب.. ليس أنه يرينا الجمال في من نحب، بل أنه يجبرنا على الغفران لعيوبهم التي كنا نحاربها في العالم أجمع، فقط كي لا نتحمل مرارة غيابهم




