كاتب ومقالكلمتها

598 واقعة عنف في ستة أشهر.. حين تتحول حياة النساء والفتيات إلى أرقام في مرصد العنف

بقلم: وفاء حسن

لم تعد جرائم العنف ضد النساء والفتيات مجرد وقائع فردية عابرة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تفرض نفسها بقوة على المشهد المصري، وتكشف عن واقع يحتاج إلى مزيد من المواجهة والوعي والحماية.

فبحسب تقرير «مرصد جرائم العنف» التابع لمؤسسة «إدراك للتنمية والمساواة»، تم رصد 598 واقعة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال ستة أشهر فقط من عام 2026، وهو رقم لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إحصائية، لأن خلف كل واقعة امرأة أو فتاة تعرضت للأذى، وأسرة تحملت آثار ما حدث، ومجتمع لا يزال أمامه الكثير من العمل لمواجهة هذه الظاهرة.

أرقام تحمل قصصًا إنسانية..
الأرقام في تقارير العنف قد تبدو جامدة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تختصر خلفها قصصًا إنسانية شديدة القسوة؛ امرأة تعرضت للعنف داخل منزلها، أو فتاة واجهت اعتداءً، أو أسرة وجدت نفسها أمام آثار نفسية واجتماعية لا تنتهي بانتهاء الواقعة.

وتكمن خطورة العنف ضد المرأة في أنه لا يقتصر على الأذى الجسدي فقط، بل يمتد إلى آثار نفسية واجتماعية قد تترك ندوبًا طويلة المدى، وتؤثر في شعور المرأة بالأمان والثقة بالنفس وقدرتها على ممارسة حياتها بصورة طبيعية.

لماذا ما زال العنف مستمرًا؟
مواجهة العنف ضد النساء لا تبدأ فقط عند وقوع الجريمة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من خلال التربية، ونشر ثقافة احترام المرأة، وتعزيز الوعي بالحقوق، ورفض تبرير العنف تحت أي مسمى.

فعبارات من نوع «تحملي من أجل البيت»، أو «لا تفضحي أسرتك»، أو «الأمر مجرد خلاف عائلي»، قد تتحول في بعض الحالات إلى غطاء اجتماعي يسمح باستمرار دائرة العنف بدلًا من كسرها.

كما أن الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو من نظرة الآخرين، أو من فقدان الأسرة، قد يدفع بعض النساء إلى الصمت، وهو ما يجعل اكتشاف حجم الظاهرة الحقيقي أكثر صعوبة.

المرأة ليست مسؤولة عن العنف الذي تتعرض له!!
من أخطر الأفكار التي تحتاج إلى مواجهة هي تحميل المرأة مسؤولية العنف الواقع عليها، سواء بسبب ملابسها أو أسلوب حياتها أو اختياراتها أو طبيعة علاقتها بالآخرين.

العنف قرار يتخذه المعتدي، وليس نتيجة تستحقها الضحية..
ولهذا فإن أي حديث جاد عن مواجهة الظاهرة يجب أن يضع حماية المرأة وكرامتها وسلامتها في مقدمة الأولويات، بدلًا من البحث عن مبررات للجاني أو أسباب لإدانة الضحية.

598 واقعة.. والسؤال الأكبر..
قد يكون الرقم الذي رصده التقرير خلال ستة أشهر مجرد جزء من الصورة، لأن ما يصل إلى التقارير والإحصاءات هو بالضرورة ما تم رصده أو الإبلاغ عنه، بينما قد تبقى وقائع أخرى خلف أبواب مغلقة، لا تصل إلى الجهات المعنية بسبب الخوف أو الصمت أو الضغوط الاجتماعية.

ومن هنا تأتي أهمية استمرار الرصد والتوثيق؛ لأن مواجهة أي ظاهرة تبدأ أولًا بالاعتراف بحجمها وفهم أشكالها وأسبابها.

إن 598 واقعة عنف ضد النساء والفتيات خلال ستة أشهر ليست مجرد رقم في تقرير، وإنما جرس إنذار يستحق أن نتوقف أمامه.

فالمرأة التي تتعرض للعنف لا تحتاج إلى الصمت من حولها، بل إلى الأمان. ولا تحتاج إلى اللوم، بل إلى الدعم. ولا تحتاج إلى أن يُطلب منها الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل إلى مجتمع يرى أن حماية النساء والفتيات مسؤولية جماعية.

وفي النهاية، تظل مواجهة العنف ضد المرأة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المجتمع على حماية أفراده، وترسيخ ثقافة تحترم الإنسان وحقه في الحياة والأمان والكرامة.

فوراء كل رقم حكاية.. وكل حكاية تستحق أن تُسمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى