كلام رجالةكلمتها

أبلة فضيلة.. صوت الطفولة الذي لا ينسى

أ. حسن الزوام

إذا بلغتَ الستين من عمرك، فلا بدّ أنّك تربّيت على صوتها.
وإن شعرتَ أنك تقدّمت في السن، فإن مجرد نغمة من مقدمة برنامجها كفيلة بأن تعيدك إلى بهجة الطفولة، وتوقظ في داخلك حنين الأيام البعيدة.
ألا تذكر كلمات ونغمة تلك المقدمة: “يا ولاد يا ولاد.. تعالوا تعالوا.. علشان نسمع أبلة فضيلة.. راح تحكي لنا حكاية جميلة”؟
كانت أبلة فضيلة ـ فضيلة توفيق ـ أيقونة الطفولة المصرية، وصوتها الرقيق ظلّ يتسلّل إلى قلوب الصغار كل صباح، فيغمرها دفء وطمأنينة. كانت تروي الحكاية كما لو كانت تنسج خيوط حلم، وتدع الأطفال يسافرون بخيالهم حيث العِبَر والعجائب.
في برنامجها الأشهر “غنوة وحدوتة”، شيّدت عالماً من القصص والأغنيات، وأورثت الأجيال ما بقي حتى اليوم حيّاً في ذاكرة الأمهات، يردّدنه لأطفالهنّ ساعة النوم.
كان لا بدّ أن تفتتح حديثها بجملتها الخالدة: “كان يا ما كان يا سعد يا إكرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام”. وما من حكاية خرجت من بين شفتيها إلا وممهورة بهذه الافتتاحية.
لكن هل تعلم انها مع كل هذا المجد لم تبدأ مسيرتها من إذاعة ولا تليفزيون.
ولكنها بدأت حياتها العملية كمحامية.
وُلدت فضيلة في أسرة تضم ثلاثة إخوة، من بينهم الفنانة القديرة محسنة توفيق. وفي طفولتها كانت تجتمع مع إخوتها وأبناء الجيران في مدخل بيتهم بشارع رمسيس لتروي لهم الحكايات التي سمعتها من والدتها ذات الأصل التركي.
درست فضيلة في مدرسة الأميرة فريال، ثم التحقت بكلية الحقوق وتخرجت في دفعة عام 1951، وكانت في دفعتها أسماء كبيرة كعاطف صدقي، وأحمد فتحي سرور، وأسامة الباز.
جرّبت مهنة المحاماة، ففشلت في أول يوم؛ إذ آثرت الإصلاح بين خصمين جاءا للمكتب الذي تعمل به على اتّباع التعامل القانوني لأوراق القضايا ومسارات المحاكم.
يومها أدركت أن مكانها ليس بين ملفات القوانين، واعتبار خلافات المتنازعين وظيفة.. وإنما مكانها بين الناس وأصواتهم.
نصحها أستاذها أن تلتحق بالإذاعة، وكانت الاذاعة وقتها آنذاك تابعة لوزارة النقل والمواصلات. وبفضل صوتها الدافئ وشغفها الواضح.
قُبِلَت لتعمل مذيعة ربط وأخبار في التليفزيون. وشعرت أن الميكروفون أكثر دفئاً وقرباً إلى نفسها من أضواء التلفزيون الذي بدأ بثّه بعد عام واحد فقط. رفضت الانتقال إلى الشاشة، وآثرت أن تبقى أسيرة ذاك الجهاز العتيق الذي يجمع الأسرة حوله.
ظلّت سنوات تترقّب الفرصة لتقدّم برنامجاً للأطفال. كان المجال حكرًا على “بابا شارو”، حتى جاء يوم رحيله من ميكروفون الاذاعة إلى شاشة التلفزيون، فكانت هي امتداد المسيرة، وبترشيحه الشخصي بدأت عام 1959 حكايتها مع “غنوة وحدوتة”.
اختارت أن تكون “أبلة فضيلة” لا “ماما فضيلة”، فالأم لا يُعوّض مكانها. وبهذا اللقب، الذي يعني الأخت الكبرى، استطاعت أن تكون قريبة من قلوب الأطفال، أختهم التي تحكي وتغني.
صار أطفال مصر جميعًا ينتظرون موعدها العاشرة صباحًا، يلتفّون حول المذياع ليستمعوا إلى حكايتها، ثم إلى الأغنية المرافقة. وإذا فاتت القصة أحدهم لانشغاله بالمدرسة، عاد ليحظى بها مساءً على لسان والدته.
عامًا بعد عام، تحوّلت أبلة فضيلة إلى جزء من الوجدان الجمعي. حتى مع تعدّد برامج الأطفال على شاشة التلفزيون، ظلّ لصوتها سحر لا يبهت، وحضور لا يزول.
وفي برنامجها، استضافت كبار الفن والأدب والفكر، وقدّمتهم إلى الأطفال ببساطة ودفء. جلس أمام ميكروفونها عبدالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب، ونجيب محفوظ، وسيد مكاوي، وأنيس منصور، وفاروق الباز، وغيرهم من أعلام مصر. ولم يكن حديثها قاصراً على الصغار، بل خاطبت الأمهات أيضاً، وقدّمت لهن نصائح في التربية، وأطلقت طاقات الموهبة لدى كثيرين ممن صاروا نجوماً فيما بعد، أمثال صفاء أبو السعود، وهاني شاكر، ومدحت صالح.
على امتداد نصف قرن، ظلّت تطوّر أدواتها وتبحث عن السبل لتبقى قريبة من الأجيال المتلاحقة، حتى تحوّلت إلى مدرسة إعلامية قائمة بذاتها. حصدت التكريم مراراً، حتى بلغ عدد مرات تكريمها اثنتين وخمسين مرة، واختارها الإعلاميون “أمًّا مثالية” عام 2016.
رحلت عن عالمنا في الثالث والعشرين من مارس، عن أربعةٍ وتسعين عاماً، تاركة خلفها إرثاً يضيء الذاكرة الجمعية لشعب بأسره. ورحيلها لم يكن إلا امتدادًا لصوتها الذي ظلّ يهمس في آذاننا بعبارتها الأخيرة: “توتة توتة.. خلصت الحدوتة”.
لكن الحكاية لم تنتهِ، فما تركته أبلة فضيلة يظل شاهداً على أن الإيمان بالموهبة، والتطوير المستمر، والاستعداد الدائم للفرصة، كفيل بأن يجعل الاسم محفورًا في ذاكرة الأجيال.

اقرأ أيضا:   8 نصائح لحماية الهاتف المحمول من ارتفاع درجة الحرارة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى