
يتصارع شعور الندم اتجاهين متضادين. الاتجاه الأول ينتقد الشعور انتقادًا كبيرًا ويقول لك: لا تلتفت إلى الوراء ولا تفكر فيما حدث، فكل يوم بداية جديدة، وعليك ألّا تنظر إلى الوراء على الإطلاق. ورغم أن هذا الاتجاه في أصله يحض على عدم الوقوع فريسة للماضي وأخطائه التي قد نكون ارتكبناها عن جهل أو تسرع أو حتى عن علم، فإن الإنسان يخطئ أحيانًا – أو كثيرًا – ولكن، وعلى الجانب الآخر، يظهر هذا جليًا في النواحي الدينية التي ترى من الندم على المعاصي أحد شروط التوبة النصوح. فبدون الندم، يكون هناك نوع من الإصرار أو الاستخفاف بما حدث، وهو ضد التوبة التي تحتاج، قبل الاقلاع، إلى الاعتراف بالخطأ والعمل الإيجابي والخير والأمل في عفو الله ورحمته.
فبدون ذلك، يتحول الندم على المعاصي إلى نوع من العذاب الحقيقي. فبدون العفو، تختل موازين علاقة الله مع العبد الذي يذهب إلى الله على ظهر طائر جناحيه: أحدهما الخوف والآخر الرجاء.
عودة إلى عصر المعلومات ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وغيرها من مستحدثات العصر التي تدفع بطبيعتها إلى الانتقال السريع من تجربة إلى أخرى، فلا تكاد تترك للمستخدم مساحة كافية للتوقف والتأمل، وربما للندم أيضًا.
فالألعاب الإلكترونية، على سبيل المثال، تحتوي على محاولات عديدة، وإن انتهت اللعبة، فيمكن للاعب أن يبدأ دورًا جديدًا. ففي اللعبة يمكن أن تخسر حياتك ثم تبدأ من جديد، أما في الحياة، فبعض الأخطاء لا تمنحنا هذه الرفاهية.
كذلك في باقي التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتوالى الأخبار والصور والفيديوهات على عين وعقل ووجدان المستخدم، لا تتركه ثانية واحدة، وتجعل منه في حالة اندهاش وترقب وتعجب مستمرين، لا تسمح له بأن يشعر بالندم في لحظة ما. بل حتى الجرائم التي تكثر تلك الشبكات من الحديث عنها واستعراض كافة تفاصيلها تأتي عند شعور الجاني بالندم بعد قيامه بالجريمة والقبض عليه، ولا تركز تلك الشبكات على هذا الجزء بالقدر الذي يحقق الردع ويعلم الدرس، وتستمر كذلك حتى أثناء تنفيذ العقوبة، سواء سجن أو إعدام، فلا تتحدث كثيرًا عن هذا، بل تنتقل إلى جريمة مثيرة أخرى لتشد الانتباه إلى تفاصيلها، مع تجاهل شعور الندم الذي يمثل جزءًا مهمًا من عملية مراجعة الإنسان لفعلته، ومن احتمالات عدم تكرارها.
نحتاج إلى أن نوسع الطريق لشعور الندم، وألّا نخجل منه أو نحاول كتمانه أو وأده، بل يجب أن نتركه يعمل ليقوم بتغييرنا إلى الأفضل الذي نرغب فيه والذي نستحقه أيضًا.



