
يعتبر الشك من أكثر المشاعر التي يتحير المرء في تصنيفها. هل الشك مطلوب أم لا؟ هل هو من حسن الفطن أم من أسوأها؟ الشك في الأشخاص والأحداث والأخبار والمبادئ والقواعد، وربما الأديان ووجود الله عز وجل، هل هذا محمود أم مذموم؟ هل القدرة على الشك في حد ذاتها مهارة مطلوبة؟ هل التسليم والتصديق بدون تمرير الأمور على فلتر الشك مطلوب؟ هل هو مريح؟ بالطبع هو كذلك نوعًا ما، ولكن هل نهاية التصديق الأعمى بدون شك ستكون سعيدة أم سيستيقظ صاحبها يومًا ما على كارثة أو صدمة؟
ديكارت بدأ بالشك المنهجي بحثًا عن اليقين، ومنه انتقل إلى التفكير، وهذا التفكير هو معيار وجوده وقيمته في الحياة بحسب اعتقاده، وهو مدخل لا بأس به ولكن ليس في كل الحالات. فالكثير من الأمور لا تفسير لها، أو هي من الأمور الغيبية التي ينبغي الإيمان بها ووجودها حتى مع عدم رؤيتها بالعين المجردة. وعلى الجانب الديني، نجد الآية 12 من سورة الحجرات تقول:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ”.
المعنى أن الظن والشك مذمومان في أغلبه، بل يصل بعضه إلى مرتبة الإثم، ولكن هذا لا يمنع أن البعض الآخر مطلوب وقد يكون واجبًا، هذا بالطبع بدون أي تلصص أو تجسس أو تلاعب. فهناك فرق بين الشك الذي يدفع إلى التثبت والبحث، والظن الذي يتحول إلى اتهام للآخرين دون دليل.
وإن كان الأمر كذلك في علاقات البشر ومعتقداتهم، إلا أن الشك في العلم وفي قواعده المستقرة، وأيضًا الشك في الظواهر المختلفة، وأن لا نأخذها من المسلمات هو بداية الطريق نحو التقدم والتطور. رأينا الكثير من العلماء والمفكرين يبدأون بالشك الذي يدفعهم إلى التفكير والبحث والتحقيق، ثم التغيير والتطوير أو التثبت من الحقائق.
الإشكالية الكبرى في عصرنا الحالي، عصر التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، هي أننا نعتقد أننا نشك أو نصدق بناءً على عقلنا، ولكن الحقيقة الغائبة عن الأذهان الحاضرة في التصرفات هي سطوة وسيطرة الخوارزميات على ما نرى وما نسمع وما نقرأ، ودرجة الإلحاح في تلك المواد، الأمر الذي يدفعنا إلى التصديق أو إلى الشك والتفكير، ولكن في الاتجاه المرسوم لنا سلفا. وربما مع الوقت تتضاءل قدرات الشك والتحقق والتفكير، ويستسلم الإنسان للخوارزميات ويصدقها تصديقًا أعمى، وهنا تكون الكارثة.
فالمشكلة ليست أن الإنسان أصبح كثير الشك أو قليل الشك، وإنما أن هناك من أصبح قادرًا على اختيار الأشياء التي نشك فيها والأشياء التي لا نشك فيها.



