
وقفت ولاء ترنجف وهي تقاوم رغبة عارمة في البكاء وعايدة تصيح وتصرخ في وجهها بعصبية بالغة وتأمرها بسرعة تنظيف أرض المكتب بعد سقوط كوب شاي منسي وبارد، زملاء الأمس ساكني نفس المقعد الثلاثي..أعداء اليوم،
استطاعت عايدة بعد حصولها على شهادة الدبلوم الحصول على وظيفة بإحدى المصالح بفضل وساطة أحد أقاربها صاحب منصب المدير العام للمصلحة، ترتدي قمصان بياقات نظيفة بيضاء وبنطلونات بألوان زاهية ومقاس أصغر في محاولة بائسة لإظهار أنوثة لا أصل لها ولا أساس، الوان ملابسها وزينتها يطغون على المشهد في وجود ولاء برداءها الرمادي الباهت المقارب للون أرضية المصلحة،
ولاء بنت العامل الفقير لم تجد من يجلسها بجوار عايدة كما كانت معتادة على ذلك أثناء الدراسة، بعض الفقراء لا يجدون من يفتح لهم الطريق للقمصان البيضاء والالوان الزاهية البراقة،
سخرت الصدفة من كلتهما وجمعت بينهما في مكان عمل واحد ولكنها صنعت بينهم مسافة أبعد من المسافة بين واشنطن وبكين، ولاء تشعر بالدونية والظلم والقهر وهي تمسك بالمقشة طوال ساعات العمل، وعايدة تشعر بالبغض أن الموظفين عرفوا أن عاملة النظافة كانت زميلة للموظفة المسنودة والمحمية بوساطة ذات يد وسلطة،
عداء قائم يزيد ولا ينقص ويشتعل ولا يخفت بلا سبب أو حدث واضح غير المقارنة بين القميص الأبيض والرداء الرمادي،
ولاء بوجه يشبه بورترية بريشة ليونارد دافشني، وعايدة تحمل ملامح من صنع الأستاذ زينهم مدرس الرسم في مدرسة التعليم الفني، فارق الحُسن بينهم أكبر من محاولة وصفه أو شرحه للناظرين، الأولى بجسد متراقص من شدة ليونته وتزاحم الأنوثة بين أركانه، والثانية لم تنقذها كل الحيل الصناعية في إظهار أنوثة زائفة مصطنعة،
الغيرة بينهم قديمة من قدم الصراع بين الأبيض والأسود والليل والنهار، عايدة تنتصر في مرة في كل شئ سلاحه اللسان أو حافظة نقودها، وولاء تنتصر وتحصل على الميدالية الذهبية في أعين الرجال دون أن تنبث ببنت شفة،
تكتم ولاء أنفاسها طوال ساعات عملها وتتجنب النظر نحو عايدة بينما عايدة لا تفعل شيء سوى التحديق فيها بغل وحقد يزيد ملامحها غلظة وقسوة، تقتنص أي فرصة لجعل ولاء تمسح وتكنس وتنظف وتؤدي مهام مضاعفة من مهام رداءها الرمادي،
يوم مشمس على غير عادة يناير، عندما دخل الأستاذ علاء المصلحة للحصول على أحد التصاريح السخيفة المفروضة فقط من أجل تحصيل ثمنه المبالغ فيه، وقع حظه في الجلوس على المقعد المتهالك أمام مكتب عايدة، استدعت إبتسامة زادت أعينها ضيق وأنفها طول وصوتها اختناق أضاع أكثر من نصف الحروف،
كتم علاء ضيقه من طريقتها في الحديث وإكتفى بإبتسامة مصطنعة جليدية فوق فمه الوسيم، عايدة تبحث عن إكمال وجاهتها الإجتماعية بزوج وسيم بشارب رفيع ونظارة طبية ووظيفة مرموقة، لم تبذل طوال حياتها بالتفتيش عن مواطن جمال روحها وتعمدت طمسهم مقتنعة أن المظهر الخارجي أهم وكأن لم ترى غير الناقص وحاولت إكماله بدون ضرورة مُلحة غير سوء فهما للنفوس وفلسفة الحياة،
هتفت بعصبية تطلب حضور ولاء لجلب كوب شاي للجالس أمامها، فور ظهور ولاء هب علاء واقفًا رغم عنه، انتزعه الأنبهار من فوق مقعده وكأنه وقف دون قراره أو إرادته، لحظات من الصمت والتحديق وكأن وجه ولاء حديقة خضراء نضرة مترامية الأطراف،
لم تلحظ ولاء المعصوبة الأعين بالقهر والحزن نظراته وإنبهاره، بينما لاحظت عايدة رد فعل علاء من بصيص رؤية سمح به ضيق أعينها المغضاة بالمساحيق، عادت ولاء بكوب الشاي ومن فرط حنقها كادت توقعه فوق ساق علاء الذي سارع بإنقاذ الموقف واللحاق بالكوب قبل أن يميل بالكلية ويسقط، رمقته بخجل ونطقت بكلمة واحدة خاطفة سمعها بأعين قرأت شفتيها قبل أن تصل لأذنيه.. شكرًا
قالتها وسمعها رغم صخب صراخ عايدة وهي توبخها على ضعف حرصها وقلة إنتباهها،
حضر علاء في اليوم الثاني والثالث والرابع، حضر لا يعرف ماذا يريد ولكن شيء ما مجهول يجبره كل صباح على تغيير خط سيره والمرور على المصلحة والوقوف بالطرقة ينتظر ظهور صاحبة الوجه الحدائقي والنظرات المضطربة الزائغة، يجالس عايدة بلا سبب حتى ذاع الخبر في أروقة المصلحة أن الوسيم يحضر كل صباح ويجالس عايدة وبلا شك أعجب بها ووقع في غرامها، الوان مساحيق وجه عايدة تتبدل وتزداد مع كل صباح ورائحة عطرها الكثيفة أصبحت رائحة مميزة للمبنى الغارق في الإهمال،
فجأة إنقطع عن الحضور، توقف عن الجلوس على المقعد المتهالك بلا سبب أو طلب أو حجج واهية، غاب وحل محل غيابه اشاعات كثيرة عن أنه عريس عايدة المنتظر حتى أن بعض زميلاتها وهم يقطعون الخضار فوق مكاتبهم بدأوا يهمسون لها بعبارات التهنئة ويلاحقوها بالسؤال متى اعلان الخطوبة والإرتباط،
أسبوعان قبل أن يظهر علاء من جديد ويسأل عن مكتب المدير العام، وجهته إحدى زميلات عايدة وهرولت تزف الخبر السعيد المنتظر، عاد الوسيم وطلب مقابلة قريب عايدة وبلا شك هو الآن يطلب يدها ويعلن رغبته في الزواج منها،
إلتفت الموظفات حول عايدة وإمتعضت وجوه الموظفين وهم يتحسرون على زيادة ضحايا الزواج بزوج مرتقب جديد،
دقائق طويلة حتى نزل سكرتير المدير العام من الدور العلوي وبيده ورقة تحمل استقالة ولاء وإخلاء طرفها، فتحت عايدة فمها بدهشة أعقبتها حيرة وهي ترى علاء في طريق الخروج من المصلحة، دفعت زميلاتها رغم نحافتها وبدانتهم وهرولت تتبعه حتى تجمدت مكانها وهي تراه يركب سيارته وبجواره ولاء بقميص أبيض زاهي وخاتم ذهبي لامع، رمقتها بنظرة واحدة تأخرت سنوات منذ إنتهاء دراستهم وأهدتها إبتسامة أخيرة قبل أن ينطلق علاء بسيارته ويهرب من رائحة عطر عايدة.



