كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| احنا فين والتكنولوجيا فين.. ظالمينها دايمًا معانا

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

كل صباح تقريبًا، تمتد يدي إلى الهاتف قبل أن تستيقظ عيناي تمامًا. لا أظن أنني وحدي في هذا؛ فمعظمنا يبدأ يومه بهذه الحركة التلقائية التي لم نكُن نعرفها قبل عقد أو عقدين. وهذه اللحظة الصغيرة، البريئة في ظاهرها، تختصر في الحقيقة أزمة أكبر بكثير: لم يعد التحول الرقمي مجرد تطور تقني يُضاف إلى سلسلة التحولات التي عرفتها البشرية، بل صار يمس جوهر علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا. الاتصال الرقمي لم يعد وسيلة نستخدمها عند الحاجة، بل بيئة نعيش داخلها، تحاط بنا في كل لحظة، وتشارك -بصمت غالبًا- في تشكيل وعينا وتوجيه سلوكنا، بل وفي الطريقة التي نفكر بها ونرى بها الأشياء.

والمفارقة التي تستحق التوقف طويلاً هي أن العصر الذي كنا ننتظر منه أن يفتح أمامنا أبواب المعرفة بلا حدود، وأن يمنحنا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعلومة ومقارنتها وتمحيصها، وضعنا في الوقت نفسه أمام أزمة حقيقية في قدرتنا على التفكير النقدي. اتسعت مساحة المعلومات أمامنا، لكن إدراكنا لم يتسع بالضرورة معها. وأصبح الوصول إلى المعرفة أسهل، لكن التمييز بين المعرفة الحقيقية وما يشبهها صار أصعب.

وهنا تكمن القضية الأخطر: من يملك السيطرة على انتباه الإنسان، يملك جزءًا كبيرًا من قدرته على التفكير.

من الخطأ أن ننظر إلى المنصات الرقمية ومواقع التواصل باعتبارها أدوات محايدة لنقل الأخبار. خلف هذه الشاشات تقف منظومات تقنية شديدة التعقيد، قائمة على خوارزميات تراقب سلوكنا، وتتعلم من اختياراتنا، وتحلل اهتماماتنا وتفاعلاتنا، ثم تعيد تقديم المحتوى إلينا بالشكل الذي يُبقينا داخل المنصة لأطول وقت ممكن. المنافسة الحقيقية بين هذه المنصات لم تعد على من يقدّم أكبر قدر من المعرفة، بل على من يستحوذ على أكبر قدر من انتباهنا.

وهنا تبدأ المشكلة الفعلية.

التمرير اللانهائي، والإشعارات المتلاحقة، والمحتوى القصير، والتدفق المستمر للمعلومات؛ كل هذا لا يمنح العقل فرصة حقيقية للتوقف والتأمل وإعادة ترتيب ما يستقبله. ومع الوقت، يتحول الإنسان إلى مستهلك دائم للمعلومات، دون أن يكون بالضرورة أكثر معرفة بها. هذا هو جوهر ما يمكن تسميته “الإرهاق المعلوماتي”: المشكلة لم تعد في ندرة المعلومة كما كانت في عصور سابقة، بل في وفرتها الهائلة وسرعة تدفقها إلى درجة تتجاوز قدرة الإنسان الطبيعية على الفحص والاستيعاب.

لكن الأخطر من كثرة المعلومات هو أن الإنسان قد يظن أنه يختارها بحرية كاملة.

فحين تراقب الخوارزميات ما نقرأه، وما نشاهده، وما نتفاعل معه، تصبح أكثر قدرة على توقع ما نريد رؤيته لاحقًا. ومع الوقت، قد يجد الإنسان نفسه داخل دائرة مغلقة، لا يرى فيها إلا ما يتوافق مع اهتماماته وأفكاره السابقة. هكذا تظهر “غرف الصدى” و”فقاعات التفضيلات”، حيث لا يعود الإنسان في مواجهة مع أفكار مختلفة، بقدر ما يصبح محاطًا بما يؤكد له باستمرار أنه على حق.

ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا مما نراه اليوم من تعصب واستقطاب.

فالإنسان الذي لا يرى إلا الأفكار التي توافقه، ولا يسمع إلا الأصوات التي تشبه صوته، يفقد تدريجياً قدرته على مراجعة أفكاره أو الشك في قناعاته. تصبح القناعة المسبقة أقوى من الدليل، والانطباع أسرع من البحث، والعنوان أكثر تأثيرًا من مضمون الموضوع نفسه. وهكذا تتحول وفرة المعلومات، على غير المتوقع، من فرصة لتوسيع العقل إلى أداة قد تساهم في تضييقه.

والأمر لا يتوقف عند المستخدم الفرد، بل يمتد إلى جيل كامل ينشأ في بيئة رقمية مختلفة تمامًا عما عرفته الأجيال السابقة. الشاب الذي اعتاد منذ طفولته أن يحصل على الإجابة في ثوانٍ، وأن يشاهد المحتوى في دقائق، وأن يتنقل بين عشرات الموضوعات خلال فترة قصيرة، يجد صعوبة أكبر في ممارسة ما يحتاجه التفكير العميق من صبر وتأمل وبحث ومقارنة.

وهنا نصل إلى سؤال ربما يكون أهم من سؤال “ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟”. السؤال الأدق هو: ماذا تفعل الطريقة التي نستخدم بها التكنولوجيا بعقولنا؟

فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست عدوًا للإنسان، بل ربما كانت واحدة من أعظم الأدوات التي أنتجها العقل البشري، وأتاحت فرصًا هائلة للتعلم والبحث العلمي والتواصل والوصول إلى المعرفة. المشكلة تبدأ حين تتحول الأداة من وسيلة نتحكم فيها إلى بيئة تتحكم تدريجيًا في سلوكنا واختياراتنا.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى المشهد. فنحن لسنا فقط أمام معلومات يصعب أحيانًا التحقق منها، بل أمام قدرة متزايدة على إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية إلى درجة يصعب معها -أحيانًا حتى على المتخصص- أن يميز بين الواقع والزيف.

هنا تنتقل معركة الوعي إلى مرحلة جديدة.

فإذا كان الإنسان في الماضي مطالبًا بأن يسأل: “هل هذه المعلومة صحيحة؟”، فهو اليوم مطالب أيضًا بأن يسأل: من أنتجها؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد من تصديقي لها؟ وهل ما أراه واقع حقيقي، أم واقع صُنِع بعناية ليبدو حقيقياً؟

هذا يعني أن التفكير النقدي لم يعد ترفًا فكريًا أو مهارة أكاديمية تخص الباحثين والمثقفين وحدهم، بل صار أداة أساسية لحماية الإنسان من التلاعب بعقله ووعيه.

ولذلك، فإن مواجهة هذه الأزمة لا تكون بالهروب من التكنولوجيا أو الدعوة إلى الانعزال عنها؛ فهذا لم يعد ممكنًا، وربما لم يعد مرغوبًا أصلاً. التكنولوجيا صارت جزءًا من بنية الحياة الحديثة، والرهان الحقيقي ليس في التخلص منها، بل في استعادة قدرتنا على استخدامها دون أن نسمح لها باستخدامنا.

نحن بحاجة إلى أن نستعيد مقود القيادة.

وهذا يبدأ بإعادة بناء علاقة مختلفة مع المعلومة؛ علاقة تقوم على السؤال قبل التصديق، والبحث قبل الحكم، والمقارنة قبل الانحياز، وعلى إدراك أن ما يظهر أمامنا على الشاشة ليس بالضرورة كل الحقيقة، بل جزء مما اختارت الخوارزميات أن تعرضه علينا.

من هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية والرقمية، التي ينبغي ألا تظل مادة هامشية أو نشاطًا إضافيًا، بل يجب أن تصبح جزءًا أصيلاً من منظومة التعليم. فالطفل والشاب اليوم لا يحتاجان فقط إلى أن يتعلما كيف يستخدمان التكنولوجيا، بل يحتاجان قبل ذلك إلى أن يتعلما كيف يفكران داخل عالم تصنع التكنولوجيا جزءًا كبيرًا من وعيه.

نحتاج إلى مواطن رقمي لا يكتفي بالاستهلاك، بل يمتلك أدوات الفحص والتحليل والنقد؛ مواطن يعرف أن كثرة المشاهدات لا تعني صحة المعلومة، وأن انتشار الفكرة لا يجعلها حقيقة، وأن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة عظيمة للمعرفة، لكنه قد يكون أيضًا أداة هائلة لإنتاج الوهم.

وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية في العصر الرقمي ليست مع التكنولوجيا، بل مع احتمال أن نتنازل لها، تدريجيًا، عن أهم ما يميزنا كبشر: قدرتنا على السؤال والشك والتفكير والاختيار.

فالتكنولوجيا التي صُنعت لخدمة الإنسان يمكن أن تكون واحدة من أعظم أدوات تقدمه، بشرط ألا يتحول الإنسان نفسه إلى مجرد أداة داخل منظومتها.

والتحدي الذي يواجهنا اليوم ليس أن نمنع الآلة من التفكير؛ فهذا أمر لن نستطيعه ولن نريده. التحدي هو أن نضمن ألا تتوقف عقولنا نحن عن التفكير.

فحين تصبح الآلة أكثر قدرة على إنتاج المعلومة، تصبح مهمتنا في البحث عن الحقيقة أكثر إلحاحًا. وحين تصبح الخوارزميات أكثر قدرة على توجيه انتباهنا، يصبح الحفاظ على استقلال عقولنا هو المعركة الأهم.

ملحوظة واعتراف وتساؤل: هذا المقال كتبته بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، هل أعجبك عزيزي القارئ مثل بقية المقالات أم لا؟ أريد رأيك بصراحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى