رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| سوق العمل بين التكنولوجيا والبطالة المقنّعة
بقلم: شحاتة زكريا

لم يعد الحديث عن التكنولوجيا رفاهية فكرية ولا أصبح سؤال المستقبل مؤجلا. نحن نعيش لحظة فاصلة يعاد فيها تشكيل سوق العمل على إيقاع سريع تفرضه الأتمتة والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. في هذا المشهد المتغير يبدو السؤال الأهم: هل تفتح التكنولوجيا أبوابا جديدة للفرص أم توسع مساحة البطالة المقنعة وتعيد توزيع القلق بدل توزيع الوظائف؟ التاريخ يخبرنا أن كل ثورة تكنولوجية حملت معها مخاوف مشابهة. الماكينة في زمنها الأول أزاحت مهنا لكنها خلقت أخرى. الفارق اليوم أن سرعة التغيير غير مسبوقة وأن الفجوة بين مهارات السوق ومهارات العاملين تتسع بوتيرة مقلقة. وظائف تختفي وأخرى تولد وثالثة تتبدل ملامحها قبل أن يعتاد الناس أسماءها..
في كثير من الاقتصادات النامية لا تظهر المشكلة في صورة بطالة صريحة فقط بل في صورة أكثر خفاء: البطالة المقنعة. موظفون موجودون على كشوف الرواتب لكن إنتاجيتهم محدودة أو أدوارهم لم تعد ضرورية بالشكل نفسه. التكنولوجيا هنا لا تقصيهم مباشرة لكنها تكشف هشاشة البناء الوظيفي القديم وتضع المؤسسات أمام سؤال الكفاءة قبل السؤال الاجتماعي .. من جهة أخرى فتحت التكنولوجيا مجالات عمل لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة: الاقتصاد الرقمي العمل الحر عبر المنصات تحليل البيانات الأمن السيبراني وصناعات المحتوى. هذه الفرص حقيقية لكنها ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. الوصول إليها يحتاج مهارات جديدة وثقافة تعلم مستمر وقدرة على التكيّف مع سوق لا يعترف بالثبات طويلا .. المفارقة أن التكنولوجيا التي تتهم بإزاحة الوظائف هي نفسها التي يمكن أن تكون أداة لإنقاذ سوق العمل من الجمود.
المشكلة ليست في الأداة بل في طريقة استخدامها وفي سرعة استعدادنا لها. حين تتقدم التكنولوجيا أسرع من أنظمة التعليم والتدريب تتسع الفجوة ويصبح جزء من القوى العاملة عالقا بين وظائف تتآكل وفرص لا يملك مفاتيحها ..الدولة هنا أمام معادلة دقيقة. حماية الاستقرار الاجتماعي تقتضي الحفاظ على فرص العمل لكن بناء اقتصاد تنافسي يفرض رفع الكفاءة والإنتاجية. تجاهل أحد الطرفين يخلق أزمة: إما اقتصاد بطيء مثقل ببطالة مقنعة أو قفزات تقنية سريعة تترك شرائح واسعة خارج اللعبة. الحل ليس في مقاومة التكنولوجيا ولا في الاستسلام لها بل في إدارتها بوعي وسياسات ذكية.
التعليم والتدريب هما قلب هذه المعادلة. لم يعد كافيا أن نخرج طلابا بشهادات تقليدية بل نحتاج إلى مهارات قابلة للتحديث: التفكير النقدي و القدرة على التعلم السريع و التعامل مع الأدوات الرقمية والعمل في بيئات مرنة. الاستثمار في الإنسان هنا ليس شعارا بل هو خط الدفاع الأول أمام اتساع البطالة المقنّعة وتحولها إلى بطالة حقيقية.
الشركات بدورها تتحمل مسؤولية لا تقل أهمية. التحول الرقمي لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة لخفض التكاليف بل فرصة لإعادة تأهيل العاملين ورفع إنتاجيتهم. الموظف الذي يعاد تدريبه على استخدام أدوات جديدة قد يتحول من عبء إلى قيمة مضافة. التجارب الناجحة في العالم تثبت أن التحديث لا يعني بالضرورة الاستغناء بل قد يعني إعادة توزيع الأدوار وبناء وظائف أكثر جودة ..ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والنفسي في هذه التحولات.
العمل ليس مصدر دخل فقط بل مصدر كرامة وإحساس بالجدوى. حين يشعر الإنسان أن وظيفته مهددة أو بلا معنى،د يتسلل القلق إلى المجتمع كله. لذلك فإن إدارة الانتقال التكنولوجي تحتاج إلى خطاب صريح وسياسات حماية وبرامج دعم حتى لا يتحول التغيير من فرصة إلى صدمة .. في النهاية سوق العمل يقف على مفترق طرق. التكنولوجيا ليست قدرا أعمى والبطالة المقنّعة ليست مصيرًا حتميًا. بين الاثنين مساحة واسعة للاختيار الذكي: اختيار الاستثمار في الإنسان وتحديث التعليم وربط التدريب بحاجات السوق وبناء سياسات توازن بين الكفاءة والعدالة. وحده هذا الطريق يمكن أن يحوّل التكنولوجيا من مصدر خوف إلى مصدر أمل ومن عامل إقصاء إلى أداة إدماج ويجعل سوق العمل أكثر قدرة على استيعاب المستقبل بدل الهروب منه.


