حواراتكلمتها

مديرة دار “كتارا” للنشر أميرة المهندي في حوار شامل لكلمتنا

قطر ضيف شرف "القاهرة للكتاب" 2027.. نجهز لـ "ملحمة ثقافية" تجمع الأصالة بالحداثة

القارئ المصري “ذواقة” وباحث عن المعرفة.. وإقباله على “موسوعة قطر” أدهشنا

الدورة المقبلة ستكون “كرنفالاً” استثنائياً يبرز ملامح الهوية الخليجية وفنون “العرضة” والملابس التقليدية

الكتاب هو جسرنا الأقوى.. وجوائز كتارا أصبحت حلم المبدعين من النيل إلى الخليج

جناح دار “كتارا” للنشر فرض نفسه كواحد من أهم الوجهات الثقافية التي استقطبت آلاف الزوار منذ الساعات الأولى لافتتاح الدورة الـ 57 بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، محولاً مساحته المتميزة إلى منصة حية تنبض بروح الهوية القطرية وتفاصيلها العريقة، اعتمد التصميم على فلسفة بصرية تمزج بين الحداثة وبين ألوان العلم القطري “الأدعم” برونقه الخاص، مما خلق أجواءً من الدفء والترحاب دفعت الزوار للتوقف طويلاً أمام إصدارات الدار التي تنوعت بين الرواية والتراث والمخطوطات النادرة.

هذا الحضور القطري المكثف ليس مجرد مشاركة عابرة، بل هو تمهيد مدروس لحدث أكبر تترقبه الأوساط الثقافية في البلدين، حيث تستعد دولة قطر لتبوّء مقعد “ضيف شرف” المعرض في دورته المقبلة كلمتنا” التقت بالسيدة أميرة أحمد المهندي، مدير دار كتارا للنشر، في حوار امتد ليتناول فلسفة الدار في إدارة القوة الناعمة، وكواليس التحضير للاستضافة الكبرى، ورؤيتها لمستقبل النشر العربي في ظل التحديات الراهنة.

بدايةً.. كيف تصفين انطباعاتك الشخصية والمهنية عن الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب؟

الحقيقة أنني قمت بجولة استكشافية في أروقة المعرض، وبالرغم من أنني لم أتمكن من الإحاطة بكل تفاصيله لاتساعه الهائل، إلا أن ما رأيته يبعث على الفخر والاطمئنان على حال الثقافة العربية. المعرض يشهد حركة حيوية غير مسبوقة، وإقبالاً جماهيرياً يؤكد أن “خير جليس في الزمان كتاب” لا تزال مقولة نابضة بالحياة في مصر. بالنسبة لنا في قطر، نعتبر معرض القاهرة “ترمومتر” النجاح لأي دار نشر، فهو ليس مجرد تظاهرة لعرض الكتب، بل هو سوق مفتوح وقوي، ومنصة حقيقية لتبادل المعرفة والحوار الأدبي. لقد لاحظت هذا العام تطوراً ملموساً في جودة التنظيم وسلاسة دخول الجمهور، مما جعل تجربة الزيارة أكثر ثراءً.

تميز جناح “كتارا” هذا العام بهوية بصرية لافتة.. ما الرسالة التي أردتم إيصالها من خلال هذا التصميم؟

أميرة المهندي: أردنا أن يشعر الزائر المصري بمجرد دخوله الجناح أنه في ضيافة قطر. التصميم مستوحى من تفاصيل التراث القطري الدافئ، واستخدمنا ألوان العلم القطري لنعزز الرابط البصري بالهوية الوطنية. نحن لا نقدم كتباً فقط، بل نقدم “تجربة ثقافية متكاملة”؛ فالتفاصيل الدقيقة في الجناح، والأنشطة المستمرة، والندوات، والجوائز، كلها تهدف إلى تعزيز جسور التواصل القائم على الاحترام المتبادل والتقدير للثقافة العربية المشتركة. نحن حريصون على المشاركة باستمرار في القاهرة، وجناحنا هذا العام مكتمل الفعاليات من اليوم الأول وحتى اللحظة الأخيرة.

ذكرتِ أن هناك “مفاجأة” في نوعية الكتب التي جذبت الجمهور المصري هذا العام.. هل يمكننا الاستفاضة في هذا الجانب؟

بالفعل، هذه واحدة من أهم الملاحظات التي رصدناها. في السنوات السابقة، كان الجمهور المصري يقبل بشكل أساسي على الروايات، خاصة تلك الفائزة بـ “جائزة كتارا للرواية العربية” نظراً لسمعتها المرموقة. لكن في هذه الدورة، لاحظت تحولاً مثيراً للإعجاب؛ الإقبال أصبح “تراثياً” بامتياز. لقد فوجئنا بحجم الأسئلة والاهتمام بـ “موسوعة قطر” المكونة من 22 جزءاً، والتي تعد مرجعاً شاملاً لتاريخ وجغرافيا وثقافة بلادنا. كما شهد جناح المخطوطات وجائزة المخطوطات إقبالاً كبيراً من الباحثين والمتخصصين. هذا التغيير في “الحس الأدبي” للجمهور يعكس نجاح الجهود المشتركة بين مصر وقطر في الترويج للتراث كقيمة معرفية أصيلة، ويؤكد أن القارئ المصري يبحث دائماً عن الجذور وعن المعرفة العميقة.

ما هي أبرز الإصدارات الجديدة التي راهنت عليها “كتارا” في هذه الدورة؟

الدار تفخر بتقديم محتوى غني ومتنوع. لدينا كتاب “طيورات الفلة”، وهو عمل متميز يتناول الطيور في البيئة القطرية ويجمع بين العلم والجمال الفني. كما عرضنا مجموعة من المخطوطات الجديدة التي تُطبع لأول مرة، بالإضافة إلى الروايات الحديثة الفائزة بجوائزنا في 2024. نحن نركز على جودة المحتوى وفخامة الإخراج الفني للكتاب، لأننا نؤمن أن الكتاب الجيد هو سفير دائم للدار لدى القارئ.

الحديث يزداد شوقاً حول كون قطر “ضيف شرف” الدورة الـ 58 المقبلة.. أين وصلت الاستعدادات؟

نحن نعتبر هذه الاستضافة مسؤولية كبرى وشرفاً عظيماً. التحضيرات بدأت بالفعل منذ لحظة الإعلان في الدورة الماضية، ونعمل حالياً ضمن “خلية نحل” تضم وزارة الثقافة القطرية، ودار كتارا، وبالتنسيق الكامل والوثيق مع وزارة الثقافة المصرية والهيئة المصرية العامة للكتاب. الاجتماعات لا تتوقف، والاتفاقيات تبرم لضمان مشاركة لا تُنسى. نحن نسعى لتقديم “استضافة مبهرة” تحمل الكثير من المفاجآت للجمهور المصري والعربي، لتكون جسراً متيناً للقوة الناعمة والتبادل الثقافي بين البلدين.

كيف سيكون التمثيل القطري في الدورة المقبلة مقارنة بتجارب دول أخرى سابقة؟

لقد تابعنا تجارب رائعة لضيوف شرف سابقين، مثل تجربة سلطنة عمان التي كانت مميزة جداً وركزت على الأدب. لكن قطر في الدورة المقبلة ستقدم رؤية شاملة؛ سنركز على إبراز “التراث المتميز” بطريقة متقنة ومبتكرة. نريد للزائر المصري أن يتعرف على الفروقات الثقافية الدقيقة داخل دول الخليج، وسيشاهد ذلك عيانًا من خلال الملابس التقليدية، الحرف اليدوية، والعروض الفلكلورية والرقصات الشعبية وفي مقدمتها “العرضة القطرية” الشهيرة. ستكون المشاركة مزيجاً بين الفكر، الأدب، والفنون البصرية والسمعية، بما يعكس مكانة قطر كواحدة من أكثر الدول دعماً للثقافة والابتكار في المنطقة العربية.

هل ستشارك “كتارا” بشكل مستقل العام المقبل أم ستذوب داخل الجناح الرسمي للدولة؟

سيكون لنا المساران معاً. دار كتارا سيكون لها جناحها الخاص والمستقل الذي يعرض أحدث إصداراتها وجوائزها، وسيكون لنا حضور قوي ومكثف أيضاً ضمن الجناح الرسمي لضيف الشرف. هذا التواجد المزدوج يهدف إلى إثراء المحتوى وضمان وصولنا إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، فنحن نتطلع لأن نكون جزءاً فاعلاً من هذا “الكرنفال الثقافي” الضخم.

الجوائز الثقافية التي تقدمها “كتارا” أصبحت مطمحاً لكل مبدع عربي.. كيف تجسد ذلك في فعاليات المعرض؟

الجوائز هي إحدى أدواتنا لتحفيز الإبداع العربي. خلال هذه الدورة، نظمنا سلسلة من الندوات الثقافية المتميزة لكتاب فازوا بجوائز كتارا في سنوات سابقة، وأيضاً للفائزين الجدد لعام 2024. استضفنا الكاتبة المبدعة شيماء علي، صاحبة رواية “بيت ريما”، وكان هناك إقبال جماهيري لافت على حفلات توقيع الروايات الفائزة. نحن لا نكتفي بمنح الجائزة، بل نسعى لتسويق المبدع وأعماله، ومعرض القاهرة هو المكان الأمثل لهذا التسويق نظراً لثقل النقد الأدبي في مصر واهتمام الصحافة والإعلام بالمنجز الثقافي.

تقيم الدار أيضاً مسابقات للجمهور داخل الجناح.. ما الهدف من هذه المبادرات؟

الهدف هو كسر الحاجز التقليدي بين الدار والقارئ. نحن ننظم مسابقات متنوعة تتعلق بجوائزنا، مثل “جائزة شاعر الرسول” وجائزة الرواية والمخطوطات، ونقدم جوائز تشجيعية فورية. هذا التفاعل يخلق حالة من الحيوية داخل الجناح، ويجعل الزائر شريكاً في العملية الثقافية وليس مجرد متلقٍ. نحن نريد أن نزرع في وجدان الزائر، خاصة الأجيال الجديدة، أهمية الأدب والتراث بأسلوب جاذب وعصري.

في ظل التحديات التي تواجه صناعة النشر.. كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي؟

بالرغم من كل التوقعات التي تنبأت بتراجع الكتاب الورقي لصالح الرقمي، إلا أن الواقع في معرض القاهرة يثبت العكس، الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بسحره وقيمته، خاصة في كتب التراث والموسوعات والمخطوطات التي يحب القارئ اقتناءها وملمس أوراقها. نحن في “كتارا” نهتم بالنسخ الرقمية أيضاً، لكن يظل الكتاب الورقي الفاخر هو “سيد المشهد” في المعارض الكبرى. معرض القاهرة بحد ذاته هو سوق قوي ومفتوح، وهو ما يجعلنا متفائلين بمستقبل النشر العربي طالما هناك قارئ بشغف القارئ المصري.

كلمة أخيرة توجهينها من خلال منصة “كلمتنا” لجمهور الثقافة في مصر؟

المشاركة هذا العام كانت مميزة ومبهرة بكل المقاييس، وما لمسناه من حب وتقدير للثقافة القطرية يحملنا مسؤولية أكبر. أتمنى أن يستمتع الجمهور بكل ما نقدمه حالياً، وأدعوهم جميعاً لانتظارنا في العام المقبل، حيث سنحتفي معاً بقطر ضيف شرف في دورة ستكون – بإذن الله – علامة فارقة في تاريخ العلاقات الثقافية بين مصر وقطر. شكراً لمصر، وشكراً للقارئ المصري الذي يظل هو الوقود الحقيقي لأي نجاح ثقافي عربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى