
أعادت ضحى فحص هيئتها للمرة الرابعة أمام مرآة غرفة نومها وهى تدور حول نفسها وتدقق في كل تفاصيلها بعناية وإهتمام قبل أن تحمل حقيبة أوراقها وتتحرك نحو المحكمة، زيارات شبه شهرية وأحيانًا اسبوعية بحثًا عن حقوق نفقتها ونفقة طفلها من طليقها الهارب من سداد حقوق مطلقته وطفله الصغير،
وجه مزين بالكامل بمساحيق التجميل وقميص من الطراز الضيق كما تحب وبنطال ناعم شديد الإلتصاق بجسدها مُغطى بتنورة قصيرة الطول حتى لا تظهر أردافها المُعلنة عن أنوثة بالغة، منذ طلاقها وهى تتفنن في إظهار جمالها وأنوثتها وتمشي في الطرقات تتفحص وجوه الذكور لتتأكد أنها جميلة لافتة يتمناها ويشتهييها الجميع، نظرات الإعجاب بأعين الرجال الغرباء تضمد جرحها من ندالة عمرو طليقها وخطيئة طلاقها وهى تُحدث نفسها أنه بلا شك فقد عقله وأضاع من بين يديه ثروة ثمينة متمثلة في فتنتها الفائقة،
نظرة إعجاب من أحدهم مصحوبة بإبتسامة تودد تفوق عشرات الشتائم بوجه عمرو، بعض النساء يعتقدوا أن أفضل عقاب لزوج أو حبيب سابق أن تهب جمالها وأنوثتها للجميع بعدالة متساوية ومجانية مُطلقة،
المحكمة مكتظة بوجوه الباحثات عن النفقة والمستعدات للبكاء أمام القضاة فور نطق أسمائهن، أغلبهن بملامح متجهمة عابثة وبعضهن متأنقات كحال ضحى كأنهن على مشارف الوقوف على مسرح إعلان نتيجة مسابقة ملكة جمال المحكمة، وسط عشرات السيدات عدد لا بأس به من أصحاب البدل الرخيصة الثمن والنظارات الشمسية السوداء المقلدة رغم غياب الشمس عن أروقة المحكمة!، يتحركون بجدية مفتعلة وسط الزحام ويحملون حقائب جلدية مُعلنة أن حاملها محام بلا شك،
الأستاذ أيمن أحد هؤلاء الباحثين عن أي مكسب من وراء قضاء الساعات الطوال داخل المحكمة، إقناع إحدى السيدات بتولي أمورها ومساعدتها مقابل أجر زهيد أو الفوز بصحبة مطلقة جميلة بداخلها رغبة في الإنتقام من الرجال بأحد الرجال،
بدلة رمادية اللون وذقن خفيفة مزينة ببعض الشعيرات البيضاء وبالطبع نظارة شمسية مُقلدة سوداء تحجب حقيقة نظراته، إقترب من ضحى بثقة وهدوء بعد أن أتم فحصها وفحص هيئتها ومكياجها الصاخب المُعلن لكل ذو فهم أنها مفتونة بحريتها وأنها مالكة أمرها ولا حكم أو سلطة لرجل عليها، مثله مثل الكثيرون من المهتمين بالبحث عن المنتقمات،
– صباح الخير يا أستاذة
نظرت له وشمت رائحة عطره الواضحة وإبتسمت بترحيب مهذب،
– صباح النور
أنهى تعريفه بنفسه لها بزهو يفوق إعتزار نقيب المحامين ذاته بنفسه وهو يدعي أنه لاحظ إرتباكها وقرر عرض وتقديم مساعدته لها، محام أحوال شخصية قديم ومتمرس وشديد التعاطف مع كل سيدة تعاني من جحود طليقها وعدم رغبته في سداد حقوقها، حديثه منمق ومرتب بشكل جعلها تستأنس لكلامه وتقص عليه بكل سهولة وشفافية معاناتها في تحصيل نفقة المدارس لصغيرها وكيف أن طليقها من شدة قسوته وعناده لم يدفع مليم واحد دون حكم محكمة، بالغ أيمن في إظهار تعاطفه معها وإستياءه من وحشية بعض الذكور في التعامل مع زوجاتهم السابقات وأنهم يقينًا مجرد ذكور لكنهم لا يعرفون للرجولة بوصلة أو طريق،
دون أن تشعر وهى منهمكة في السرد والشرح وجدت نفسها جالسة بجواره في الكافيه المتواضع داخل المحكمة بعد أن أصر على تقديم فنجان قهوة لها، حديث جاد سرعان ما تحول لخطبة عصماء عن معنى الرجولة وكيف وصل المجتمع للقاع بتصرفات هؤلاء الأنطاع الرافضين دفع حقوق النساء والأطفال، وجدت ضالتها في حديثه وصدقت كل حرف وصل مسامعها ولم تتوان في سرد كل قصتها مع عمرو بكل تفاصيلها وكيف أنه شخص أناني وغبي أضاعها من يديه برعونة وهى الجميلة التي يتمناها أغلب الذكور،
لم يحتاج أيمن لأكثر من ذلك ليتحول صوته من الجدية للحديث بشجن وهو يعلن لها تعاطفه معها وإنحرف في الحديث نحو حياته وأنه أرمل فقد زوجته الطيبة ويعيش وحيدًا مع طفليه ويعتني بهما وحده، تبادلا مشاعر التعاطف وأرقام الهواتف وهو يعدها بأن يقف بجوارها بعد أن عرف أنها تقوم وتتابع أمورها وحدها دون محام، حاولت أن تقدم له بعض النقود للمساعدة في إنهاء بعض الإجراءات لكنه أصر بعنترية فائقة ألا يأخذ مليم قبل أن يُحصّل لها نقودها ويجعل عمرو طليقها محصورًا بين الدفع أو السجن،
تعددت مقابلاتهم بعد ذلك داخل المحكمة وسرعان ما إنتقلت تلك اللقاء للشات بينهم خارج أوقات عمل المحكمة وتحدث كل منهما عن نفسه وحياته وظلت تزهو بمهارتها في صُنع الطعام والحلوى، الشات تحول لمكالمات طويلة وهى توجهه وتشرح له طريقة عمل الحلويات المحببة لطفليه بنفسه،
بدلته الرمادية اللون المتوسطة الثمن وياقة قميصه البيضاء النظيفة سهلت عليها تصديقه بأنه بالغ الثراء ويملك ثروة كبيرة وعدد من العقارات ولكن كل ذلك بلا قيمة وهو وحيد بلا زوجة وحبيبة يرتمي بين ذراعيها بعد عودته من المحكمة ومعاركه اليومية لتحقيق العدالة وإستعادة حقوق المطلقات البائسات،
تتذكر حياتها مع عمرو وتشعر بعظمة الفارق بينه وبين ايمن، الأخير معسول اللسان لا يتوقف عن حلو الكلام وإطرابها بغزل مستتر ناعم يشعرها بأنوثتها وتميزها، عمرو لم يكن من هذا النوع الثرثار بلا فائدة، قليلًا ما كان يغازلها ويكتفي فقط بأن يقبل جبينها ويقسم لها أنه يحبها ولكنها كانت بحاجة لتلك الكلمات، كلمات يسمعها قلبها قبل أذنيها وعقلها، رومانسية حالمة لا تريد الواقع بقدر حاجتها لخيال عاشق لا يمل من الغزل والعبارات الرقيقة المأخوذ أغلبها من كتب الشعر العامية التي تباع على أرصفة محطات القطارات،
ضحى منذ طلاقها لا يهمها شئ على الإطلاق أكثر من جعل عمرو يندم على طلاقها وفقدها وإيجاد زوج آخر لتثبت له أنها جميلة وفاتنة يتمناها الجميع ويتمنون دقيقة قرب واحدة منها، لم تعلن قبولها بسهولة وأيضا لم تشر ولو بخفوت لرفضها أو إعتراضها، فقط رقص قلبها فرحًا أنها على بعد خطوة واحدة من الإنتقام من عمرو وإثبات تميزها عن باقي النساء، كثيرًا ما كانت تقولها له بحسم تام وهى تامة الإقتناع،
“أنا كتير عليك وعلى أي حد”
هدية صغيرة مغلفة بشياكة وهم في أحد أركان المحكمة تبعتها دعوة لزيارة مكتبه، لم تتردد برعونة وغباء يسميهم بعض النساء ثقة بالنفس، ذهبت معه وإكتشفت أن المكتب عبارة عن غرفة منفصلة متصلة بشقته السكنية، صورة عمرو وهو يبكي غيظًا عند معرفته أنها تزوجت بمحام بالغ الثراء جعلتها تجاري أيمن في الحديث ولا تمانع في صحبته لرؤية باقي أجزاء الشقة، في الصالة تحول حديثه معها كأنها على وشك أن تصبح زوجته وسيدة بيته وعند باب غرفة النوم وجدت نفسها محاطة بذراعيه من الخلف وهو يهمس لها بصوت خفيض أن هذا هو عش زوجيتهم المستقبلي فور أن تُعلن قبولها وموافقتها،
عشر دقائق من القبلات الهادئة وهى تستسلم وتُقنع نفسها أنه زوجها المستقبلي في العاجل القريب حتى محى كل مكياجها وزينة وجهها بشفاهه وسقطت فوق فراشه بعد أن جردها من ملابسها الشديدة الضيق المختارة بعناية فائقة للإعلان عن أنوثتها البالغة وجودة وأصالة المنتج، لحظات قصيرة كافيه لجعل السيدة المحرومة الراغبة في الإنتقام تزفر بشهوة وتفسح لأيمن مكان بين ساقيها وهى تقبل وجهه برقة ورومانسية سرعان ما تبخرت وتبدلت وهو يتحول لهمجي عنيف ويملأ ارجاء الغرفة بالعبارات النائية والألفاظ البذيئة التي وقعت على مسامعها كالسياط ولكن أين للشاه المفر من سكين الجزار،
عادت بيتها بعد بضع ساعات بعد أن فقد وجهها كل زينته ومُحت عنه مساحيق التجميل وأعين منتفخة بعد أن إستسلمت للبكاء في الطريق، سقطت في بئر الخطيئة وهى في طريقها للبحث عن الإنتقام وحاجتها المُلحة إثبات أنها سيدة النساء وأكثرهن جمالًا، إختبئت في فراشها وهى تبكي ودفنت وجهها في وسادتها حتى فاقت على صوت رنين هاتفها بإتصال من أيمن، لم تجد شجاعة أو قدرة على الرد عليه وهى تشعر بكل هذا الكم من الذنب حتى جاءتها رسالة منه،
فيديو صغير لا يتجاوز الدقيقة من كاميرا لم تعلم بوجودها بغرفة نومه وهم عرايا في مشهد تام الوضوح، شعرت بدوار بالغ وأنها على وشك الموت وتسارعت دقات قلبها حتى قرأت رسالته النصية،
“مستنيكي بكرة يا مُزة”
صرخت وبكت حتى أعياها الصراخ وبعد أن شعرت بشبح هدوء إتصلت به وكل جسدها يرتعد،
– ايمن أنت لازم تيجي تكلم أخويا ونتجوز في أسرع وقت
صمت ولم يجب لعدة ثوان كأنهم سنوات حتى نطق بصوت فاتر،
– مش وقت الكلام في الحاجات دي دلوقتي، الجواز مش لعبة ومحتاج وقت وترتيب
إبتلعت ريقها وهى ترتعد وتتأكد مخاوفها وتسأله بصوت مرتعش ومتقطع،
– أنت صورتني ليه؟!
– عادي.. بحب أحتفظ بالذكريات دي لنفسي
– أيمن لو سمحت إحنا لازم نتجوز وبسرعة
قالتها والبكاء يغلبها ويأتيها صوت أيمن خال من أي رقة وهو يصيح بغلظة مغلفة بتهديد،
– من غير كلام كتير بكرة 11 الصبح تكوني عندي.. ما لحقتش أشبع منك يا مزة
أغلق الخط وتركها غارقة وسط دوامة تخيل القادم وهى تتخلى عن سذاجة الاطفال وتستوعب مصيبتها وما ينتظرها،
ثلاثة أشهر وهى تذهب لشقته مرتين في الأسبوع ومرة للمحكمة حتى مل منها وتركها وأصبحت لا تراه إلا فيما ندر وهو يتحاشاها وتركها تعود وحدها للوقوف أمام مرآتها تتزين قبل الذهاب للمحكمة وهى تؤكد لنفسها أنها بلا شك رغم كل شئ ستجد طريقها للإنتقام من عمرو وجعله يندم على طلاقها حتى لو إضطرت من أجل ذلك أن تبحث عن ألف أيمن جديد.



