رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| الاقتصاد تحت النار.. كيف ينعكس التصعيد الإسرائيلي على الاستثمارات والأسواق الخليجية؟

حين تتحول النيران السياسية إلى نيران اقتصادية يصبح السؤال الملح: من سيدفع الثمن؟ في الخليج حيث ترتكز أهم الاستثمارات العربية وأكثر الأسواق حيوية، لا يمكن النظر إلى التصعيد الإسرائيلي الأخير باعتباره حدثا أمنيا فقط بل كزلزال له ارتداداته المباشرة على المال، والتجارة، والطاقة، وصورة المنطقة في أعين المستثمرين الدوليين.
الاقتصاد بطبيعته هش أمام الاضطرابات والأسواق لا تعرف الصبر طويلا. يكفي أن تشتعل شرارة في مضيق أو تنفجر أزمة في عاصمة حتى تبدأ رسائل التحذير تنهال من البنوك وشركات الاستشارات وتُسجّل أولى الخسائر في مؤشرات البورصة وأسعار الطاقة. فما بالنا إذا كان التصعيد هذه المرة في قلب الخليج وبفعل مباشر من إسرائيل الطرف الأكثر إثارة للجدل والرفض في الوعي العربي والإسلامي على السواء؟
منذ سنوات حرصت العواصم الخليجية على بناء صورة لنفسها كبيئة آمنة للاستثمار ، مستقرة سياسيا ، محايدة في الأزمات قدر الإمكان ، قادرة على تحويل الفوائض المالية إلى مشاريع تنمية وصناديق سيادية عابرة للقارات. هذه الصورة لم تأتِ من فراغ بل كانت نتاج عمل متواصل لإقناع العالم أن الخليج لم يعد مجرد خزان نفط وإنما مركز مالي وسياحي وتكنولوجي صاعد. غير أن أي ضربة تستهدف هذه الصورة حتى ولو لم تُحدث خسائر مباشرة تُربك الحسابات وتفتح الباب أمام الأسئلة: هل لا يزال الخليج ملاذا آمنا لرؤوس الأموال؟ أم أن النيران تقترب من جدرانه العالية؟
في الأيام التي تلت التصعيد الإسرائيلي ظهرت مؤشرات أولية لهذا القلق. بعض البورصات الخليجية سجلت تراجعا في أسهم قطاعات حساسة مثل الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية. شركات أجنبية علّقت إعلان مشاريع جديدة لحين اتضاح المشهد. حتى أسعار النفط، رغم ارتفاعها النسبي لم تُترجم بالكامل إلى مكاسب لأن السوق العالمي بدأ يحسب حساب المخاطر الجيوسياسية لا المكاسب المالية.
لكن الأخطر من الأرقام هو المعنويات. المستثمر حين يتخذ قراره لا ينظر فقط إلى الأرباح ، بل إلى الاستقرار السياسي. أي إشارة إلى هشاشة أمنية قد تعني سنوات من الحذر والابتعاد. وهنا يكمن التحدي: هل تستطيع العواصم الخليجية طمأنة العالم بأن ما جرى لن يتحول إلى مسار دائم؟ وهل تمتلك أدوات اقتصادية ودبلوماسية كافية لإقناع الأسواق أن النار تحت السيطرة؟
الإجابة ليست سهلة لكنها حاسمة. فالتصعيد الإسرائيلي يضع الخليج أمام معادلة دقيقة: لا يمكنه أن يبدو عاجزا سياسيا لأن الشعوب لن تقبل ذلك ولا يمكنه أن يبدو منخرطا في حرب مفتوحة لأن الاقتصاد سيدفع الثمن الأكبر. الحل يكمن في إدارة متوازنة تجعل الرسالة واضحة لإسرائيل والعالم معًا: أن الخليج قادر على حماية أمنه ومصالحه دون أن يحرق أوراقه الاقتصادية.
قد يكون من المفيد هنا استدعاء تجربة العقود الماضية. كلما اشتعلت المنطقة ، كان الخليج يدفع الفاتورة مضاعفة: في الثمانينيات مع حرب الخليج الأولى في التسعينيات مع غزو الكويت وفي العقدين الأخيرين مع فوضى الربيع العربي. لكن الفارق اليوم أن الخليج لم يعد لاعبا ثانويا بل مركز ثقل اقتصادي عالمي وصناديقه السيادية تُدار كأذرع نفوذ حقيقية في أوروبا وآسيا وأميركا. أي اهتزاز في صورته سينعكس مباشرة على مكانته الدولية.
هناك من يرى في هذا التحدي فرصة أيضا. فالمواقف السياسية الحازمة قد تُترجم إلى تعزيز صورة الخليج كقوة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات جريئة حتى لو أغضبت واشنطن أو تل أبيب. مثل هذا الموقف إذا أُدير بحكمة قد يزيد ثقة الشعوب العربية في أن ثرواتها ليست مجرد رهينة بيد الخارج وقد يفتح الباب أمام استثمارات داخلية بديلة تُعيد توجيه الرساميل نحو مشاريع تنمية محلية بدلا من الاعتماد المفرط على الخارج.
لكن على الجانب الآخر يبقى الخطر قائما: إذا طالت الأزمة دون أفق للحل فقد تبدأ رؤوس الأموال الأجنبية بالانسحاب تدريجيا ومعها يتراجع الزخم في قطاعات غير نفطية مثل السياحة والتقنية والخدمات المالية وهي القطاعات التي تُراهن عليها دول الخليج لصناعة اقتصاد ما بعد النفط.
إسرائيل ربما تراهن على أن الخليج لن يغامر باستقراره الاقتصادي من أجل مواجهة مباشرة. لكنها تغفل أن النار إذا استمرت في الاشتعال فإن الخسائر لن تُحسب فقط بأرقام البورصة بل بالتحولات الاستراتيجية في الرأي العام والسياسات. والخليج مهما حاول لن يستطيع أن يفصل أمنه عن قضاياه الكبرى وعلى رأسها فلسطين.
إن التصعيد الإسرائيلي يضع المنطقة كلها أمام مفترق طرق لكن الخليج تحديدا أمام امتحان مزدوج: الحفاظ على صورته كواحة استقرار اقتصادي وإثبات قدرته على حماية أمنه السياسي. أي خلل في هذه المعادلة سيُدفع ثمنه باهظا: في الأسواق، في الاستثمارات وفي مكانة المنطقة عالميًا.
ولهذا فإن المعركة ليست فقط مع إسرائيل بل مع الصورة التي يريد العالم أن يرسمها للخليج: هل هو مجرد منطقة ثراء هش ينهار عند أول أزمة أم أنه مركز قوة حقيقي قادر على الصمود والمناورة؟ الجواب لن يُكتب في المؤشرات الاقتصادية وحدها ، بل في القرارات السياسية التي ستتخذها العواصم في الأيام المقبلة.
الاقتصاد تحت النار.. لكنه قد يخرج من النار أصلب وأقوى إذا ما تحولت الأزمة إلى لحظة مراجعة وبناء جديد بدلا من الاكتفاء بإطفاء الحرائق. فهنا تُصنع الفوارق بين أمم تتراجع مع الأزمات وأمم تصنع من الأزمات أبوابا لمستقبل مختلف.



