كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| هل نصنع اقتصادًا يليق بطموح المصريين؟.. سؤال اللحظة

بقلم: شحاتة زكريا

في زمن تتغير فيه خرائط العالم بسرعة غير مسبوقة وتتحرك فيه موازين القوة الاقتصادية كما لو كانت على رمال متحركة ، تجد مصر نفسها أمام سؤال جوهري لا يمكن تأجيله: هل نصنع اقتصادا يليق بطموح المصريين؟

ليس سؤالا للاستهلاك السياسي ، ولا عبارة تُردد في خطابات بل هو سؤال مصيري يتعلق بشكل المستقبل وقدرة الدولة على تحويل أحلام الناس إلى واقع ، ومكانها الطبيعي في عالم لا يحترم إلا من يمتلك قوة اقتصادية صلبة.

لقد واجهت مصر خلال السنوات الماضية سلسلة من الصدمات العنيفة التي عصفت بمعظم دول العالم: جائحة عطلت حركة الاقتصاد وحروب أربكت سلاسل الإمداد وتضخم عالمي ترك أثره على كل بيت. نجحت الدولة في الحفاظ على استقرارها في أصعب اللحظات ، ومنعت الانهيار وحمت مؤسساتها ووفرت الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي وهي معركة لم تكن سهلة ولا قصيرة. لكن هذه المرحلة لم تعد تكفي فالناس لا تريد فقط دولة تصمد بل دولة تتقدم ولا تريد اقتصادا يكتفي بإدارة الأزمات بل اقتصادًا يبني المستقبل ويمنح الأمل.

اليوم أصبح من الواضح أن المصري لا يبحث عن تحسين محدود في مستوى المعيشة بل عن نقلة حقيقية تليق بكرامته وبما يقدمه من جهد وصبر. اقتصاد يفتح له أبوابا جديدة للعمل والإنتاج لا أن يحاصره داخل دوائر مغلقة من الغلاء واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة. والمطلوب ليس مجرد قرارات بل رؤية كاملة تُترجم الطموح الشعبي إلى واقع ملموس يشعر به الناس في تفاصيل يومهم: في فرص العمل، في الأسعار، في الخدمات، وفي جودة الحياة التي يستحقونها.

إن بناء اقتصاد قوي لا يقوم على الأمنيات بل على الإرادة والعمل والانضباط. لا يكفي أن نقول إننا نريد اقتصادا أفضل بل يجب أن تتغير طريقة التفكير نفسها. فالدول لا تتقدم بالاستهلاك بل بالإنتاج ولا تقفز إلى المستقبل عبر الاستيراد بل عبر بناء قاعدة صناعية وزراعية وتكنولوجية لا تعتمد على الخارج إلا بالقدر الذي يخدم الداخل. المصريون اليوم يريدون أن يروا مصانع جديدة، وصناعات متقدمة، ومشروعات تضيف ثروة للدولة بدل أن تستهلك مواردها. يريدون استثمارات تأتي لتبني لا لتشتري وتخلق قيمة مضافة حقيقية لا مجرد نشاط ورقي.

ووسط هذا المشهد تبرز قضية العدالة الاقتصادية كشرط أساسي لا يمكن تجاوزه. فليس المطلوب فقط اقتصادا قويا بل اقتصاد يشعر فيه المواطن بأن نصيبه من التنمية محفوظ. فالناس لا تقرأ الموازنات ولا تتابع تقارير النمو لكنها تشعر في جيبها بما إذا كانت السياسات قد نجحت أم فشلت. العدالة ليست شعارا بل شعورا يتجلى في سهولة الحصول على فرصة عمل وفي القدرة على بدء مشروع صغير دون تعقيدات مرهقة وفي الحصول على تعليم حقيقي يعيد تشكيل وعي الأجيال وفي وجود منظومة صحية تحترم الإنسان ولا ترهقه.

إن جيل الشباب اليوم يمثل فرصة ذهبية لا يمكن التفريط فيها. فهو جيل لا يكتفي بالاستماع بل يريد أن يرى ولا يرضى بالحلول المؤقتة ، بل يريد رؤية تُحرك البلد تجاه المستقبل بثبات. هذا الجيل يرفض أن يكون خارج المعادلة ويرفض أن تُدار حياته من دون أن يكون جزءا من صناعة القرار. إنه جيل يعرف أن العالم يتغير ويريد أن يجد لنفسه مكانا داخل هذا التغيير ، مكانا يليق ببلده وبطاقته وبأحلامه التي لا تقل عن أحلام أي شاب في دولة صاعدة.

وليس سرا أن مصر تمتلك كل مقومات النجاح: موقع جغرافي فريد يجعلها مركز عبور عالمي إمكانات هائلة في الطاقة الجديدة والمتجددة ، سوق ضخم قادر على جذب الصناعة موارد بشرية شابة ، وبنية تحتية حديثة تم بناؤها خلال السنوات الأخيرة. لكن تحويل كل ذلك إلى قوة اقتصادية صلبة يحتاج إلى شجاعة سياسية واقتصادية وإلى قرارات قد تكون ثقيلة لكنها ضرورية وإلى شفافية تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن وبين الدولة والمستثمر.

إن الاقتصاد ليس قصة أرقام فقط بل هو قصة ثقة. والثقة تُبنى حين يشعر المواطن أن الدولة تتحرك لصالحه ، وحين يشعر المستثمر أن القواعد ثابتة وحين يشعر الموظف أن جهده محفوظ وحين يشعر الشاب أن الغد أفضل من اليوم. الثقة ليست كلمة تُقال بل منظومة تُصنع عبر سياسات مستقرة ورؤية لا تتغير كل عام.

ولذلك فإن السؤال: هل نصنع اقتصادا يليق بطموح المصريين؟
هو سؤال يتجاوز الحكومة والمعارضة ، ويتجاوز الجدل اليوميلأنه يتعلق بمستقبل وطن كامل.
والإجابة ليست في تصريح ولا في بيان بل في استمرار الدولة في بناء اقتصاد إنتاجي قوي ، وفي إصرار الشعب على المشاركة وتحمل المسؤولية ، وفي خلق علاقة جديدة بين المواطن والدولة أساسها المصارحة والاحترام المتبادل.

نعم… نستطيع.
ولأن المصريين شعب لا يعرف المستحيل ولا يقبل أن يعيش على هامش العالم فإن صناعة اقتصاد يليق بطموحهم ليست اختيارا بل واجبا… وموعدا مع المستقبل لا يجوز أن نتأخر عنه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى