كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “مبروك النجاح”

بقلم: أحمد عبد العزيز صالح

ضجت القاعة بالتصفيق فور اعلان فوز أحمد فراج بجائزة أفضل كاتب وسيناريست، توجهت الأبصار نحوه وهو يغادر مقعده ويحكم اغلاق سترة بدلته ويتجه نحو المسرح، كعادته وكما يحب حضر الحفل وحده دون أي شخص مقرب منه، لا يحب أن يرى أحد المقربين له، رؤيتهم لن تفيد لكنها ستفتح باب غضبه على مصرعيه،

صعد خطوات السلم بسرعة متوسطة يحاول اخفاء توتره وإرتباكه، يعاني من الخجل البالغ وسط الصخب والزحام ويتمنى الهرب من المكان، وقف خلف الميكروفون ووجهه للحاضرين ولكن عيناه لا ترى ملامح أي شخص على الإطلاق، مجرد وجوه مشوشة المعالم، إستجمع قوته وبدأ الحديث بصوت به رجفة خفيفة،

– من المفترض أن أشعر بسعادة بالغة لتكريمي ونيل جائزة يتمناها الكثيرون، لكن للآسف لا أشعر الآن بأي سعادة بقدر ما أشعر بغصة في حلقي، سنوات وأنا ألوح وأصيح وأهتف لعل صوتي يصل إليكم دون جدوى، الآن وصلكم صوتي بعد أن فقدت أي شعور أو رغبة في التكريم والنجاح، لم يعد أبي موجود كي أقبل جبينه وأخبره بأني أخيرًا فعلت شيء يثبت صلاحي ومهارتي،

سنوات من الترك والأذان الصماء والآن تسمعون وترون بعد أن أصبح النجاح مجرد خبر عادي لا يفرق كثيرًا عن خبر إنتهاء البن من البيت،

غلبته دموعه وإختنق صوته وهو يتحدث دون النظر لشيء محدد،

أشكركم جميعًا وأهدي هذا التكريم والنجاح لتلك التي لم تتوقف لحظة عن سماعي والتصفيق لي وجعلتني أصدق أني ذو قيمة وكنت أظن أن حديثها كله محض شفقة لا أكثر ولا أقل.

أنهى كلمته وضجت القاعة بالتصفيق من جديد ولكن من نوع آخر مختلف، بدا صوت أيديهم كالإعتذار ومحاولة الربت على كتفيه، غادر المكان على عجالة رافضًا إجراء أي حديث مع أي صحفي أو حامل ميكروفون،

فور دخوله سيارته إتصل بها وهو يبكي بصوت مسموع، وحدها من يلجأ لها أينما فَرِح أو أصاب الحزن وجدانه، بعبارات واضحة إستطاعت تهدئته وإخباره أنها في إنتظاره،

هي هكذا منذ عرفها وسقط بالكامل بين يديها، كل شيء في حياته يأتي متأخرًا، حتى هي لم تسلم من هذا القدر، جاءت متأخرة ككل الأشياء بعد أن إحتل الشيب رأسه وزهد قلبه وهدأ عقله، قاد سيارته وبجواره الجائزة ملقاة على المقعد المجاور دون أن يعيرها أي إهتمام، شرد وتذكر كيف بدأ كل شيء، في ذلك المساء عندما وجد إشعار على هاتفه يحمل إسمها، الثالثة فجرًا وهو يعد نفسه للنوم، رأى الإشعار وإرتبك وشعر بالدهشة، دقائق وهو يحدق في شاشة هاتفه حتى إختفى الإشعار، لوى فمه بيأس وأقنع نفسه أنها فعلتها دون قصد، نام وهو يوبخ نفسه على سذاجة تفكيره، وفي الصباح عاد للتحديق في هاتفه دون إمتلاك الجرءة على مراسلتها، حتى حدثت المعجزة وتلقى منها أول رسالة، فقط رسالة عادية واحدة وبعدها سقط بكل جوارحه وسنوات عمره في بئرها دون أدنى محاولة للمقاومة أو مجرد إدعاء التأني، ظمأ روحه جعله يتكلم ويحكي ويحكي دون ذرة خوف أو قلق أو شبح خجل من سوء الفهم،

يائس محبط مهزوم، قص عليها كل شيء كأنه مكبل اليدين أمام قاضٍ صارم، سمعت وفهمت وطمئنت روحه وربتت على حزنه وفتحت له باب العبور لقلبها والسماح له بالعيش في جنتها،

تورد وجهه وأعادت له بسمته وضحكاته وطريقته القديمة في الدعابة وخلق العبارات الجذابة المضحكة، لا يملك إبهارها بشيء ولا يملك حتى ثمن هدية بسيطة وبرغم ذلك أشعرته أنه أعظم رجل على الإطلاق، أن تقع في العشق وأنت تودع سن الشباب أمر جلل لا يحدث إلا نادرًا، كلاهما خائف وعائد بقلب مهزوم بجروح دامية بعد تجارب لم يملك فرص إختيار خوضها،

هرول نحوها وهرولت نحوه بسرعة فائقة، جلست في موضع الأم الحريصة أن يكون إبنها أجمل الأطفال وأكثرهم أدبًا وذكاء، وجلس في موضع الإبن الراغب فقط في سماع الثناء من بين شفتيها،

الأرواح الفَرِحة المبتهجة تجذب النجاح، شجعته ودعمته وأرغمته على التفاؤل وإقتناص النجاح، أصبح هاتفه لا يتوقف عن تلقي المكالمات الغير متوقعة لدرجة أشعرته أنها تجبر القدر على إسعاده وإرضاءه،

أصبح القلم بين أصابعه كراقص بارع لا يتوقف عن الرقص وخلق كل ما هو جديد وغير مسبوق، عروض من هنا وعروض من هناك، بعد أن ظن أن لا أمل، وجد نفسه وسط طوفان من الآمال، عمل وآخر وتحول النجاح لقدرة على شراء بيت كبير وهدايا لها كل صباح، ولكن أول ما فعله أن جعلها تترك عملها وتتفرغ فقط لدعاباته ونظراته وحاجته الملحة للجلوس بين يديها ليل نهار، لعله يعوض تأخر اللقاء،

وصل البيت ولم يفطن أنه نسي الجائزة فوق المقعد المجاور في سيارته.. لم يكن في حاجة لشيء سوى الإرتماء بين ذراعيها وهو يبكي وهي تقبل جبينه وتنظر بقوة ولمعة مضيئة في عينيها وتهمس له بحب وفرحة وإيمان.. مبروك النجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى